قال الإمام محمد بن جرير الطبري - رحمه الله: (القول في المعاني التي تدرك حقائق المعلومات من أمور الدين، وما يسع الجهل به منه وما لا يسع ذلك فيه، وما يعذر بالخطإ فيه المجتهد الطالب، وما لا يعذر بذلك فيه: اعلموا - رحمكم الله - أن كل معلوم للخلق من أمر الدين والدنيا أن تخرج [1] من أحد معنيين.
(أ) من أن يكون: إما معلوما لهم بإدراك حواسهم إياه.
(ب) وإما معلوما بالاستدلال عليه بما أدركته حواسهم.
ثم لم يعد جميع أمور الذي امتحن الله به عباده معنيين: أحدهما: توحيد الله وعدله والآخر: شرائعه التي شرعها لخلقه من حلال وحرام وأقضية وأحكام.
(أ) فأما توحيده وعدله: فمدركة حقيقة علمه استدلالا بما أدركته الحواس.
(ب) وأما شرائعه فمدركة حقيقة علم بعضها حسا بالسمع وعلم بعضها استدلالا بما أدركته حاسة السمع.
ثم القول فيما أدركت حقيقة علمه منه استدلالا على وجهين:
-أحدهما: معذور فيه بالخطإ والمخطئ مأجور فيه على الاجتهاد والفحص والطلب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر) [2] .
وذلك الخطأ فيما كانت الأدلة على الصحيح من القول فيه مختلفة غير مؤتلفة، والأصول في الدلالة عليه مفترقة غير متفقة. وإن كان لا يخلو من دليل على الصحيح من القول فيه. فميز بينه وبين السقيم منه، غير أنه يغمض بعضه غموضا يخفى على كثير من طلابه ويلتبس على كثير من بغاته.
-والآخر منهما غير معذور بالخطإ فيه مكلف قد بلغ حد الأمر والنهي ومكفر بالجهل به الجاهل وذلك ما كانت الأدلة الدالة على صحته متفقة غير مفترقة ومؤتلفة غير
(1) - قال محقق"التبصير": (هكذا في الأصل ولعل الصواب لا يخرج من أحد .. ) .
(2) - البخاري (6919) ومسلم (1716) .