فإذا كان الأمر كذلك فلا يتصور ألا يبين النبي صلى الله عليه وسلم ما هو فوري الامتثال كأمور العقائد، مما يدل على عدم وقوع عائشة رضي الله عنها في محذور يحتاج إلى بيان وهذا جلي لا يخفى.
واحتج القوم أيضا بحديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها) . فقال صلة بن زفر فما تغني عنهم"لا إله إلا الله"وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة فرددها ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: (يا صلة تنجيهم من النار، تنجيهم من النار) [1] .
وفيه دليل على العذر بالجهل فيما دون التوحيد في"بعض الأمكنة أو الأزمنة حيث ينتشر الجهل ويضعف نور النبوءة فيخفى على بعض الناس كثير من الأحكام الظاهرة المتواترة كوجوب الصلاة والصوم، ولكن لا بد من الإقرار الذي عليه مدار النجاة، لأنه بدون الإقرار لا يكونون مسلمين) [2] ."
وأعجب كل العجب من قوم يجادلون عن المشركين الذين يعبدون غير الله على جهل محتجين بهذا الحديث، وهذه غفلة شديدة لأننا إنما نتكلم عن جاهل التوحيد، كالذي يقع في عبادة غير الله، كدعاء الأموات في الشدة والرخاء فأين ترك الصلاة وغيرها من الفرائض لا ندارس العلم من ذلك؟.
والحديث إنما هو في عذر المحقق للتوحيد غير المتمكن من العلم وهذا جلي، ولذلك قال حذيفة إنها تنجيهم من النار ومعلوم أنه لا ينجو بها إلا من علم معناها وعمل بمقتضاها، كما تقدم في حقيقه التوحيد. و إلا لزم القول بما يقوله المرجئة من أن مجرد النطق بها يكفي، مع أن في سند الحديث متهما بالإرجاء.
(1) - رواه ابن ماجه (4049) ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وأورده الألباني في الصحيحة (87) .
(2) - نواقض الإيمان الاعتقادية 1/ 231.