نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [1] ، وقد كان هذا مشروعا في الأمم السابقة لكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك فقال (لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) ورجحه الرازي. قال بعضهم بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [2] وفي هذا التنظير نظر. والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراما وإعظاما واحتراما وسلاما وهي طاعة لله عز وجل لأنها امتثال لأمره تعالى) [3] .
وقال الشوكاني رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} "وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام عظيمة حيث أسجد الله له الملائكة، وقيل إن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجأ لهذا فإن السجود للبشر قد يكون جائزا في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح، وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى أعني قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [4] وقال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شرعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك في سائر الشرائع) [5] ."
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} (أي الأبوان والإخوة والمعنى أنهم خروا ليوسف سجدا، وكان ذلك جائزا في شريعتهم منزلا منزلة التحية، وقيل لم يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء، وكانت تلك تحيتهم .. ) [6]
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} . وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود لا مجرد الانحناء كما قيل، وهذا السجود سجود تحية وتكريم لا
(1) - يوسف الآية 100.
(2) - الإسراء الآية 78.
(3) - تفسير ابن كثير 1/ 121.
(4) - الحجر الآية 29.
(5) - فتح القدير قي مجلد واحد ص 81.
(6) - فتح القدير ص 870.