فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 142

وقال الشافعي (لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر) [1] .

وكأن ما يدرك بالعقل والروية والفكر لا يعذر بجهله، وهذا شبيه جدا بكلام ابن جرير، وأشير هنا إلى أن الذين يعذرون بالجهل مطلقا ينقلون مثل هذه الأقوال للاستدلال على عموم قاعدة العذر بالجهل ولا يفصلون ولا يقيدونها بقيودها المعلومة.

صفات لا يسع أحدا جهلها

اعلم رحمك الله أن العذر بجهل الصفات ليس على إطلاقه، قال ابن جرير رحمه الله (قد دللنا فيما مضى قبل من كتابنا هذا أنه لا يسع أحدا بلغ حد التكليف الجهل بأن الله جل ذكره، عالم له علم وقادر له قدرة ومتكلم له كلام وعزيز له عزة وأنه خالق وأنه لا محدث إلا مصنوع مخلوق، وقلنا من جهل ذلك فهو بالله كافر) [2] . فهذه الصفات لا يعذر جاهلها لأنها تطعن في الألوهية والربوبية في الصميم.

تصنيف العلماء لما يعذر فيه بالجهل وما لا يعذر فيه به

لقد اعتنى العلماء الكرام بهذا الباب خصوصا في كتاب الردة، وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في الكلام عن الردة عند الفقهاء.

قال القاضي عياض في خضم كلامه عن سب النبي ص: (أن يكون القائل لما قال في جهته - عليه السلام - غير قاصد للسب والازدراء ولا معتقد له، ولكنه تكلم في جهته - عليه السلام- بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفي ما يجب له مما هو في حقه - عليه السلام- نقيصة، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة، أو في حكم بين الناس أو يغض من مرتبة أو شرف نسبه أو وفور علمه أو زهده أو يكذب بما اشتهر به من أمور أخبر بها - عليه السلام- أو تواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره أو يأتي بسفه من القول وقبيح من الكلام ونوع من السب في حقه، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه، إما لجهالة حملته على ما قاله أو الضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه.

(1) - فتح الباري 13/ 418.

(2) - التبصير ص 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت