فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل وإن تلعثم إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليما إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) [1] .
وأذكر هاهنا ما نقله القاضي عياض (الشفا 2/ 277) من قولهم - العلماء-"يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطإ في سفك محجمة دم مسلم واحد"فإنما هو في إكفار المتأولين لا في إكفار من بان كفره وتجلى ضلاله البعيد.
وقال أيضا في بيان ما هو من المقالات كفر( ... وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل. كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزين بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون على أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام.
وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شُربِ الخمر أو الزنا مما حرمه الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة) [2] .
قال ملا القاري تعليقا على قوله"فحص الرؤوس" (لعل فحص الرأس - أي حلق وسطه- كان شعارا للكفر قبل ذلك، وأما الآن فقد كثر في المسلمين فلا يعد كفرا) [3] .
فتأمل كيف نقل القاضي عياض الإجماع على أن عبادة غير الله كالسجود لصنم ونحوه لا توجد إلا من كافر ولم يقيدها بالعلم. وعندما ذكر استحلال المحرمات قيد كفر فاعله بالعلم. ذلك لأن أصل الدين الذي هو توحيد الله هو الذي دخل به المرء الإسلام وعصم به دمه وماله وجرت عليه به الأحكام لا بغيره من الأصول فضلا عن الفروع، ولذلك فإن من لقي الله محققا للتوحيد لم يعمل غيره وغابت عنه الشرائع فقد فاز. بخلاف من عمل بالفرائض كلها ولم يحقق التوحيد، فعمله هباء منثور لا ينجيه من الخلود في النار.
قال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي: (إن الشرك الأكبر من عبادة غير الله وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام) [4] .
وقال مفتي الديار النجدية أبو بطين:(ومن المعلوم أن أهل البدع الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد، ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل. والذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار هل آفتهم إلا الجهل؟
ولو قال إنسان أنا أشك في البعث بعد الموت لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره والشاك جاهل) [5] .
وقال(ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج ما قال مع عبادتهم العظيمة ومن المعلوم أنه لم يوقعهم فيما وقعوا فيه إلا بالجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟
يوضح ما ذكرنا أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه باب حكم المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر الشرك، يقولون من أشرك بالله كفر لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا إن مثله لا يجهله كما قالوا فيما دونه) [6] .
جاهل التوحيد ليس مسلما على كل حال
قال العلامة ابن باز في رده على سؤال عن العذر بالجهل: (الأمور قسمان: قسم يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين وأتى الشرك بالله وعبد غير الله فإنه لا يعذر لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام لإعراضه وغفلته عن دينه كما قال الله سبحانه: { ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} [7] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يأذن له ليستغفر لها، لأنها ماتت على دين قومها عباد
(1) - الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 331، طبعة هشام على حافظ، الطبعة الأولى.
(2) - الشفا 2/ 397.
(3) - الشفا بشرح نور الدين ملا علي القاري 5/ 431.
(4) - (كشف الشبهتين ص 63) (فتاوى الأئمة النجدية 3/ 188) .
(5) - فتاوى الأئمة النجدية 3/ 184، 185.
(6) - فتاوى الأئمة النجدية 3/ 183 راجع الدرر السنية (10/ 391) .
(7) - الأحقاف الآية 3.