وقد سئل سهل بن حنيف، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول: -وأهوى بيده قبل العراق- (يخرج منه قوم يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية) [1] .
قال ابن حجر: (إنَّ الخوارج لمَّا حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، فقالوا نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين. وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أنَّ رأسهم ردَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى جور، نسأل الله السلامة) [2] .
وذكر ابن الأثير: (أنَّ رجلًا من الخوارج اسمه بسطام بن بني يشكر، خرج في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، ومعه جماعة من أتباعه، فبعث إليه عمر من يقف في وجهه، وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فكان في كتاب عمر: بلغني أنك خرجت غضبًا لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، فهلم إليَّ أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يديك نظرنا في أمرك.
فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفتَ، وقد بعثتُ إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك. وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيًّا اسمه عاصم، ورجلًا من بني يشكر، فقدما إلى عمر.
وكان مما جاء في تلك المناظرة أن قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك، وسميتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على الضلالة فالعنهم وابرأ منهم.
فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبًا للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إنَّ الله عز وجل لم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم لعَّانًا، وقال إبراهيم عليه السلام: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، وقال الله عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، وقد سميتُ أعمالهم ظلمًا، وكفى بذلك ذمًا
(1) أخرجه البخاري (6675) و (6934) .
(2) فتح الباري 12/ 301.