قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يصف الخوارج حينما دخل عليهم لمناظرتهم: (وأتيت قومًا لم أرَ قط أشد منهم اجتهادًا، مسهمة- أي متغيرة- وجوههم من السهر كأنَّ أيديهم ثفن- أي ركب- الإبل, عليهم قمص مرحضة- أي مغسولة-) [1] .
وعن جندب الأزدي قال: (لما عدلنا إلى الخوارج، ونحن مع علي بن أبي طالب، فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوي كدويِّ النحل من قراءة القرآن) [2] .
ولما أمر زيادُ بن أبيه بضرب عنق عروة بن أذينة، وكان من الخوارج، دعا مولاه، وقال له: صف لي أمره واصدق. فقال: أطنب أم أختصر؟ فقال: بل اختصر. فقال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشًا بليل قط [3] .
فإذا كانت هذه عبادتهم، وهذا اجتهادهم في أفضل الأعمال من صلاة وصيام وقيام ... فأين الخلل إذًا؟
الخلل أنهم جهلة وأصحاب هوى، وينبغي أن نتأمل في حال الخوارج من حيث شجاعتهم وعبادتهم، فقد بلغوا شأنًا عظيمًا في هذين الأمرين، ومع هذا فقد وصفهم النبي صلى الله عليهم وسلم بكلاب النار [4] ، وفي هذا دليل قطعي أنَّ الشجاعة والإقدام والعبادة لوحدها لا تدل على صحة المنهج؛ بل لا بد من العلم الصحيح، وهذا ما يفتقده الخوارج.
عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يخرج ناس من قبل المشرق ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه) . قيل: ما سيماهم؟ قال: (سيماهم التحليق) [5] .
(1) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" (16517) .
(2) أخرجه الطبراني في"المعجم الأوسط" (4051) .
(3) ينظر: الملل والنحل، الشهرستاني 1/ 161.
(4) أخرجه عن أبي أمامة مرفوعًا: الحميدي (908) ، وأحمد 5/ 250 و 253 و 256 و 269، والترمذي (3000) ، وقال: حديث حسن، وابن ماجه (176) . وصححه الألباني وشعيب.
(5) أخرجه البخاري (3344) و (3610) و (4351) و (4667) و (5058) و (6163) و (6931) و (6933) و (7432) و (7562) ، ومسلم (1064) (143) و (147) و (148) ، وأحمد 3/ 5 و 64 و 197 و 224، وأبو داود (4765) . والفُوق: موضع الوتر من السهم، أي: لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى مكانه، وهذا من باب التعليق بالمحال. وذكر شراح الحديث أنه لا دلالة فيه على كراهة الحلق، فإنَّ كون الشيء علامة لهم لا ينافي الإباحة.