لقتله، وقد ترك المنافقين؛ لئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق، وهو عبارة عن المنافق) [1] .
أيها الأتباع والأشياع والقادة: هل تتصورون اجتماع فعل كبيرة من الكبائر المنصوص عليها مع محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ... هاكم هذا الحديث: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأُمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) [2] .
قال ابن حجر العسقلاني: (وفيه- أي في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب-: الرد على من زعم أنَّ مرتكب الكبيرة كافر؛ لثبوت النهي عن لعنه، والأمر بالدعاء له. وفيه أنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنَّ المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه، وأنَّ من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله. ويؤخذ منه تأكيد ما تقدم من أنَّ نفي الإيمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية؛ بل كماله كما تقدم) [3] .
وليُعلم أنه ليست الشجاعة وحدها ولا العبادة وحدها، ولا الصبر، ولا الثبات ولا أي عمل من الأعمال ممدوحًا مع عظيم الإخلاص إلا بالعلم ...
لم يقل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أول الرسالة صل ولا صم ولا جاهد ولا اعمل أيَّ عمل من الأعمال، إنما قال له: {اقْرَأْ} . وكفى العلم شاهدًا وشرفًا {اقْرَأْ} .
وكفى الجهل ظلمة أنه يستبيح دم صاحبه، وإن كان مسلمًا، ويسود وجهه وعمله، وإن كان صوَّامًا قوَّامًا مخلصًا ... !
(1) أضواء البيان 4/ 62.
(2) أخرجه البخاري (6780) . ووقع في بعض روايات البخاري: (فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) ، وهما بمعنى واحد. ينظر: فتح الباري 12/ 78.
(3) فتح الباري 12/ 78.