قال النووي: (قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: للمالك أن يفرِّق زكاة ماله الباطن بنفسه. وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين) [1] .
والأموال الظاهرة قال عنها النووي: (ففي جواز تفريقها بنفسه قولان مشهوران ... أصحهما وهو الجديد جوازه، والقديم منعه) [2] .
وبقول الشافعي القديم قال أبو حنيفة ومالك.
أما الحنابلة فأجازوا، بل استحبوا أن يفرق المالك زكاته بنفسه في الأموال الظاهرة والباطنة. وإليك ما قاله ابن قدامة: (ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه؛ ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. قال الإمام أحمد:"أعجب اليَّ أن يخرجها وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز") [3] .
ثم ذكر ابن قدامة أدلتهم على الجواز، فقال رحمه الله: (ولنا على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه فأجزأه، كما لو دفع الدَّين إلى غريمه، وكزكاة الأموال الباطنة؛ ولأنه أحد نوعي الزكاة فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أنَّ للإمام أخذها، ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر لهم لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها؛ لأنَّ ذلك مختلف في إجزائه، فلا تجوز المقاتلة من أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد فجاز الدفع إليهم بخلاف اليتيم. وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه؛ فلأنه إيصال الحق إلى مستحقه مع توفير أهل العمالة، وصيانة حقهم عن خطر الخيانة، ومباشرة تفريج كربة مستحقها، وإغنائه بها، مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها، فكان أفضل كما لو لم يكن أخذها من أهل العدل. فإن قيل: فالكلام في الإمام العادل إذ الخيانة مأمونة في حقه. قلنا: الإمام لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما يفوضه إلى سعاته، ولا تؤمن منهما الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شيء منها، وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومواساته. وقولهم إنَّ أخذ الإمام ليبرئه ظاهرًا وباطنًا. قلنا: يبطل هذا بدفعه إلى غير العادل فإنه يبرئه أيضًا. وقد سلموا أنه
(1) المجموع 6/ 147.
(2) المصدر نفسه 6/ 148.
(3) المغني 2/ 267.