هل من الممكن أن تنشئ بفعلك دولًا عدائية، وتحيى في القلوب ولاءات، وتجمع الناس تحت رايات، وتوزع العراق على البلدان إلى مدة لا يعلمها إلا الله؟
ما من شيء كان أضر على الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية أيام النبي صلى الله عليه وسلم من عزلها عن العالم، حتى إذا وقَّع النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية، وفيه الشروط المعروفة قفز المسلمون قفزة لم يقفزوها طول سني الدعوة كلها، إذ بقي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ثلاث عشرة سنة في مكة ثم ست سنوات في المدينة، وما زاد عدد المسلمين حتى هذا الحين عن أربعة آلاف مسلم، وما أن تمت سنة واحدة من الصلح حتى جاء المشركون يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم يطلبون التحلل منه، فلقد زاد عدد المسلمين في سنة واحدة على الضعف، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعشرة آلاف مقاتل، أضف لهم من تبعهم من غير المقاتلين من نساء وأطفال وشيوخ.
فالمسلم الغيور على دينه، الذي يريد نشر دينه يصطنع القواسم المشتركة بينه وبين الخلق مما لا يخالف دينه؛ ليخدم دينه ويوصل دعوته إلى غايتها، فماذا يمكن أن نقول بمن يصطنع القطيعة، ويغلق أبواب العراق المفتحة، ويجمع الأعداء على عقائد العداء، ويقطع البلد الموصول الواحد، ويوصل أجزاءه بأعدائه، ويجعل للخونة ملاذًا آمنًا، إنها الطريقة المثلى لإنقاذ الخونة والعملاء الذين باعوا وطنهم للأعداء، ذلك حين نتصور لحظة التحرير العام بإذن الله تعالى، إنك- وقتها- لن تستطيع أن تتعدى حدود دولتك الإسلامية الموهومة إلى حدود العراق كلها؛ لأنك إن فعلت ذلك فقد تعديت على حدود دولة أخرى، فهذا بالنسبة لتلك الدويلات احتلال آخر، تعده أشد من الاحتلال الأول؛ لأنه احتلال عقدي معادٍ، وجنوده من أهل البلد، فصاحبه يقاتل عن بلدته وقريته وبيته وأهله، وهذه والله كارثة عظمى على أهل السنة أولًا قبل غيرهم، وعلى مستقبل توحد العراق تحت الكتاب والسنة كله.
لقد بقي أهلُ الإسلام في الهند يبكون أيامًا طويلة بعد انفصال باكستان، حين آلت أمورهم إلى الاستضعاف لدرجة الموت حرقًا للقرى والبيوت والمساجد.
إنَّ العاقل يخشى من بؤرة صغيرة داخل بلده الصغير أن تُشكل عليه خطرًا لا ينتهي أبدًا، فكيف بمن يصطنع بلدًا معاديًا من بلده؟