فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 619

ويقال: سبب هذه المقولة-فيما زعم بعضهم-: أنه كان رجل إذا قدم على الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-يَقُومُ إلَيهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِك: فَقَالَ: أَنَا سَمِعْت مِنْهُ، أَنَّ الْكَلْبَ إذَا بَلَغَ يَرْفَعُ رِجْلَهُ عِنْدَ الْبَوْلِ، وَأَنَّ الْحُرَّ مَنْ رَاعَى وِدَادَ لَحْظَةٍ، وَانْتَمَى لِمَنْ أَفَادَه لَفْظَةً).

وقال بعض الفضلاء: (الحر في ميزان الأولين هو ذاك الرجل الذي يحفظ الود، ويرعى حق الصحبة، وإن كانت في عمر السنين لحظة واحدة، ولا ينسى الفضل لأهله، وإن قلّ حجمه، أو: خف وزنه، بل: تراه يحرص على أن ينسب الفضل لأهله، ولا يكفر بساعات الصفاء واللقاء، ولا بأيام التزاور والتواصل، غايته أن يقيم العدل، ولو على نفسه، ممتثلًا أمر ربه:(ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) [1] .

فالأحرار هم الذين لا يحملون حقدًا، ولا يفجرون عند الخصومة، ولا يستغلون معلومة بسبب معرفة سابقة، ولا يبيحون سرًا لأصدقاء الأمس، ولا يصرمون ودًا لأقل الخصومات، ولا ينقلب الأصحاب في ميزانهم إلى أعداء، مهما بلغت شدة الخصومة.

فالأحرار لا يعرفون طريق الغمز، ولا يسلكون دروب اللمز، يصونون ألسنتهم من الوقوع في مثل المزالق التي لا تليق بالأحرار).

وقديمًا قيل [2] :

إذا أفادك إنسان بفائدة * من العلوم فلازم شكره أبدا

وقل فلان: جزاه الله صالحة * أفادنيها وألق الكبر والحسدا

فالحر يشكر صُنعًا للمفيد له * عِلمًا ويذكره إِن قَام أو قَعدا

قال بعض السلف: (أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من فرط فيمن ظفر بهم) [3] .

(1) -سورة المائدة، رقم الآية: (8) .

(2) -كما في: (ذيل تاريخ بغداد) (1/ 414) لابن الدبيثي.

(3) -انظر: (عيون الأخبار) (1/ 280) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت