مطبوعات: دار ابن الجوزي: ( ... الواجب أن يقال: في جميع صفات العدالة: إنها اتباعُ أوامر الله تعالى، والانتهاءُ عن ارتكاب ما نهى عنه، مما يُسقط العدالة، وقد عُلم مع ذلك أنه لا يكاد يسلم المكلف من البشر من كل ذنب، ومن ترك بعض ما أُمر به، حتى يخرج الله من كل ما وجب له عليه، وإن ذلك يتعذر.
فيجب لذلك أن يقال: إن العدل هو: مَن عرف بأداء فرائضه، ولزوم ما أمر به، وتوقي ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقي في لفظه ما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه، ومعروف بالصدق في حديثه، وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا، حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس: إنه لا يعلم أنه كبير، بل: يجوز أن يكون صغيرًا، نحو: الكذب الذي لا يُقطع على أنه كبير، ونحو: التطفيف بحبة، وسرقة باذنجانة، وغش المسلمين بما لا يقطع عندهم على أنه كبير من الذنوب، لأجل أن القاذورات وإن لم يُقطع على أنها كبائر يُستحق بها العقاب، فقد اتفق على أن فاعلها غيرُ مقبول الخبر والشهادة، إما لأنها متهِمة لصاحبها، ومسقِطة له، ومانعة من ثقته وأمانته، أو: لغير ذلك، فإن العادة موضوعة على أن من احتملت أمانته سرقة بصلة، وتطفيف حبة، احتملت الكذب.
وأخذ الرشا على الشهادة، ووضع الكذب في الحديث، والاكتساب به، فيجب أن تكون هذه الذنوب في إسقاطها للخبر والشهادة بمثابة ما اتفق على أنه فسق يُستحق به العقاب، وجميع ما أضربنا عن ذكره مما لا يقطع قوم على أنه كبير، وقد اتفق على وجوب رد خبر فاعله [1] وشهادته، فهذا سبيله في أنه يجب كون الشاهد والمخبر سليمًا منه.
(1) -وقد جاء في كتاب: (الجرح والتعديل) (ص:109/إلى:166) لجمال الدين القاسمي الملحق الرابع: (مائة وأربعون رجلًا ممن اتهموا بالبدعة على أنواعها ... مروي لهم عند الستة أو: غيرهم) .
فارجع إليه-لزامًا-فإنهم مهم، وقد استخرجت جزءًا جيدًا من (السير) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ، و (التهذيب) ، و (تهذيبه) ، و (تقريبه) ، و (تذهيبه) ، و (تحريره) -عند ما كنت بالسجن المركزي بالقنيطرة-للذين اتهموا بالبدعة على أنواعها وقد أخرج لهم البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن، والمسانيد، والمعاجم وغيرهم.