فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 79

قال أبو المعين: ولهذا، سمّى الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي هذا الكتاب بالتأويلات، دون التفسير، احترازا عن الدخول تحت هذا الحديث.

فإذا سئل فقيل لك: ما معنى {لَا رَيْبَ} في قوله - تعالى: {الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1 - 2] وقلتَ: معنى {لَا رَيْبَ} : لا شك - يكون هذا تفسيرا. وإذا قيل لك: فكيف تنفي الريب، وكم مرتاب فيه؟ قلتَ في الجواب عنه: إنه في نفسه حقٌ وصدقٌ، ومتى نظر فيه، عُلِم أنه صدقٌ، فانتفى عنه الريب - يكون هذا تأويلا، فقس على هذا أمثال ما ذكر.

ولا يقال: الحديث المذكور متروك، لأنه مخالف للإجماع؛ وذلك أن السلف من الصحابة وغيرهم قد استنبطوا معاني القرآن بالرأي؛ فإنهم لم يجدوا في جميع ما ذكروا من الأقاويل لكل قول آيةً محكمةً، ولا حديثا متواترا، ولا إجماع الأمة، ولا شك، أن ذلك الاستنباط تفسيرٌ للقرآن بالرأي، وقد أجمعوا على صحة ذلك الاستنباط، لأنَّا نقول: الممنوع هو القطع، والتفسير بالرأي بلا دليل، لا التأويل المقترن بالعرض على الأصول من متواتر، أو إجماع الأمة، ولا شك، أن الاستنباط المذكور من قَبِيل التأويل.

وأما ما رواه أبو داود من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَالَ فِيِ كِتَابِ اللهِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ كَفَرَ» - إن صحّ - فهو محمول على التهديد، جمعا بينه وبين الإجماع المذكور، وقد أجيب عنه أيضا بأن المراد مِن: «قَالَ فِيْهِ بِرَأْيِهِ» أي من غير علم، وقد يفتح الله - تعالى - ما يشاء لمن يشاء من عباده من التأويل للقرآن العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت