فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 79

ثم إن التواتر شرطٌ في نقل القرآن إلينا، وهو متعلق بنظم القرآن، فلا يضره تحقق إجمال، أو إبهام فيه من جهة معناه.

فإن قلتَ: ما السر في وجوب نقل القرآن إلينا على سبيل التواتر؟ بخلاف نقل الحديث، مع أن كِلَيْهما وحي. قال الله - تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] غاية ما في الباب أن القرآن وحيٌ متلوّ، والحديث وحيٌ غير متلوّ؟!

قلتُ:

أولا: السر فيه أن نظم القرآن معجز باقٍ على وجه كل زمان دائر على كل لسان في كل مكان، فاقتضى ذلك أن يخص نقله إلينا بطريق التواتر، حسما لمادة شبهة الوهم والارتياب. قال الله - تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ» (1) .

ولتكون معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبقى على وجه العيان يُشار إليها بالبنان، وليكون برهانا على حقيّة خير الأديان، وتبيانا لبقاء هذه الأمة المشرّفة إلى آخر الزمان، بخلاف متن الحديث، فإنه ليس كذلك. قال الله - تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

وثانيا: أن نظم القرآن نصب عين الجنان، وورد اللسان في كل زمان؛ فيكون العناية به أتم، والاهتمام به أهم.

وثالثا: أن النقل بالمعنى لا يجوز فيه؛ محافظة على إبقاء إعجاز نظمه

(1) أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع [2518] ؛ والنسائي في الأشربة [5711] ؛ وأبو داود في اللباس [4080] ؛ وأحمد في المسند [27819] ؛ والدارمي في البيوع [2532] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت