تعيّن عليه، وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم وامتنعوا كلهم أثموا، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين.
وإن طُلِب من أحدهم وامتنع: فأظهر الوجهين أنه لا يأثم، لكنه يُكره له ذلك إذا لم يكن له عذرٌ.
وأما المختص بالطالب فأمور أيضا:
أحدها: أن لا يتعلم إلا ممن كملتْ أهليّته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين (1) ، ومالك بن أنس، وغيرهما من السلف: هذا العلم دينٌ، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وأن ينظر معلّمه بعين الاحترام، وأن يعتقد كمال أهليته، ورجحانه على طبقته؛ فإنه أقرب إلى انتفاعه به.
وكان بعض السلف إذا ذهب إلى معلّمه تصدّق بشيء. وقال: اللهم استر عيب معلّمي عني، ولا تُذهب بركة علمه مني.
وقال الربيع - صاحب الشافعي: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ، هيبةً له.
وروي عن عليّ - رضي الله عنه - أنه قال: مِن حق العالم عليكَ أن تسلم على الناس عامة، وتخصّه من دونهم بالتحيّة، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تغمز بعينيك، وأن لا تسارّ في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، وأن لا تلحّ عليه إذا كسل (2) .
(1) هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر، من التابعين، من علماء الحديث، والفقه، وعبر الرؤيا، سمع من ابن عمر، وجندب بن عبد الله البجلي، وأبي هريرة، وغيرهم. توفي بالبصرة سنة 110 هـ. (سير أعلام النبلاء [4/ 606] ؛ تاريخ البخاري [1/ 90] ؛ تاريخ ابن عساكر [15/ 210] ؛ شذرات الذهب [1/ 138] ) .
(2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ص 350؛ جامع بيان العلم وفضله [1/ 129] ).