وأما النسخ في الاصطلاح: فهو دفع (1) الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
واعلم، أن الحجج الشرعية لا يقع التعارض بينها حقيقة، لأن ذلك من أمارات الجهل والعجز، فإن من أثبت حكما بدليل عارضه دليل آخر يوجب خلافه، كان ذلك لعجزه عن إقامة دليل سالم عن المعارضة، والعجز عن ذلك بناء على الجهل بالطريق المستقيم السالم عن المعارضة، والحكيم العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء، تعالى عن أن يوصف بالجهل، فإذًا، لا يقع التعارض والتناقض بينهما إلا بالنسبة إلينا، لجهلنا بالتاريخ.
ثم إذا وقع التعارض بين الآيتين بالنسبة إلينا، فلا يخلو من أن يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ، أو لا يمكن الجمع.
فالأول - وهو: التعارض الذي يمكن فيه الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ - مخلصه عنه ثلاثة أوجه:
الأول: من جهة الدليل؛ بأن لا يعتدلا في القوة، فاندفع توهّم التعارض بين المتشابه وبين المحكم، لعدم استوائهما في القوة.
الثاني: من قِبل الحكم؛ بأن لا يجتمع حكماهما في محل واحد، فاندفع توهّم التعارض بين الآية التي في سورة البقرة وبين الآية التي في سورة المائدة، فإن الغموس فيها مؤاخذة بمقتضى آية سورة البقرة؛ وليست فيها مؤاخذة بموجب آية سورة المائدة؛ وذلك أن بين قوله - تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [الآية: 225] في سورة البقرة، وبين قوله - تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [الآية: 89] في سورة المائدة تعارضا بحسب الظاهر؛ فإن الآية الأولى تقتضي
(1) ولعل الصواب: رفع - بالراء - (التنبيه من الناسخ للشاملة) .