فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 79

المؤاخذة في الغموس، لأنها من كسب القلب، والمؤاخذة ثابتة في كسب القلب، وأن الآية الثانية تقتضي عدم المؤاخذة فيها، لأن يمين الغموس يمينٌ غير منعقدة عند أبي حنيفة وأصحابه، لأنها لم تصادق محلّ عقد اليمين، وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق، لكن هذا التعارض يندفع باعتبار الحكم؛ فإن المؤاخذة المثبتة في البقرة مطلقة، فتصرف إلى الآخرة؛ لأنها دار المؤاخذة والجزاء على الإطلاق، وأما دار الدنيا، فدار الابتلاء، إذ قد يؤاخذ المطيع فيها تمحيصا لذنوبه، كما يؤاخذ العاصي فيها عقوبة له، ويُنعَم فيها العاصي استدراجا له، كما يُنعَم فيها على الطائع إحسانا وتفضُّلًا عليه.

وأما المؤاخذة المنفية في المائدة فمؤاخذة الكفارة في الدنيا؛ بدليل قوله - تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] ، فكأنه قيل: الغموس ليست فيها مؤاخذة في الدنيا، وفيها مؤاخذة في الآخرة، فلا تعارض فيه، كما لا تعارض في قولك:"زيدٌ يصلي في المسجد ولا يصلي في غير المسجد."

لكن يلزم مما ذكر أن يكون الغموس لغوا وغير لغو، فإن توجيه الكلام في آية سورة المائدة يقتضي كون الغموس لغوا، كما أن توجيه الكلام في آية سورة البقرة، يوجب كونها غير لغو؟!

وأجيب: بأن اللغو يقال على معنيَين:

أحدهما: ضد العقد، يشهد له قوله - تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] ، فيكون اللغو بهذا المعنى يتناول السهو والغموس.

ثانيهما: السهو، وهو أن يحلف على أمرٍ ماضٍ وهو يظن أنه كما قال، والواقع خلافه، يشهد له قوله - تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت