فإن قلتَ: فكيف يتم هذا وقد قيل: إن اختلاف مراتب وضوح الدلالة لا يكون في الدلالة المطابقية، بل يكون في غيرها، أي في العقلية؟
قلتُ: يتم؛ فإن ما ذكر غير تام في التحقيق، على أنا نقول: إن ما ذكر إنما هو في أداء المعنى الواحد بطرق مختلفة وكلامنا ههنا في أداء المعاني المتعددة بطرق متعددة تُقس على مراتب وضوح الدلالة مراتب خفاء الدلالة، فعلم من هذا أن كل واحد من وضوح الدلالة وخفائها مقول على ما يحبه بالتشكيك كالبياض.
هذا، ثم إن النزول هو الانتقال من الأعلى إلى الأسفل، والصعود بالعكس.
والإنزال هو: نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وكذا التنزيل، لكن فيه الدلالة على التدرج والتكثير.
ولعل نزول القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقفه المَلَك من الله - عزّ وجلّ - تلقُّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينْزل به إلى الرسول، ويلقيه عليه.
قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
فإن قلتَ: ها هنا نوع آخر، وهو الرؤيا الصالحة، قلت: كأن المقصود من