والتحقيق: أن بين القوم مسألتين متنازعٌ فيهما، يترتب على كل واحدة منهما رأي محمود ورأي مذموم؛
إحداهما: مسألة إصابة المجتهد؛ فلما قال بعض المعتزلة: إن كل مجتهد مصيب، قالوا: إن الرأي بالعرض على الأصول رأي حق الواقع؛ فيكون التفسير به - عندهم - شهادة على الله بكونه حقا وصوابا عنده، وهذا رأي مذموم، لكونه رجما بالغيب. ولما قال غيرهم: إن المجتهد يخطئ ويصيب، قالوا: إن الرأي بالعرض على الأصول تفسير بغالب الرأي مع احتمال الخطأ على ما جاء القول فيه من بعض الصحابة - رضي الله عنهم: إن كان خطأ فَمِنِّي، وإن كان صوابا فَمِن الله - تعالى -، فلا يكون عندهم شهادة على الله - تعالى - بكونه حقا عنده، وهذا رأي محمود، وقد جاءت به الآثار، وعملت به الأمة في قياس الفروع.
والسلف لم يقولوا إن التفسير بالرأي شهادة على حقيقة المراد عند الله - تعالى -، فلم يكن هذا النوع من التفسير مرادا بالحديث.
الثانية منهما: مسألة حكم العقل، فمن يجعل الرأي عيارا لما جاء به القرآن فيفسر القرآن على موافقة رأيه تقريرا لرأيه، ويترك المفهوم المتعارف من اللفظ، ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة، فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة التي هي نتيجة قاعدة التنويه (1) ، حيث قالوا: إن إيجاد القبيح قبيح، فجعلوا للأعيان الخبيثة الضارة صانعا، وللأعيان المستحسنة صانعا، فالمعتزلة قالوا: إن إيجاد القبيح قبيح، وإرادة القبيح قبيحة، فتركوا عموم قوله - تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] في خلق أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، وتركوا أيضا ظاهر قوله - تعالى:
(1) قال الناسخ للشاملة: المفروض أن يثبت:"قاعدة الثنوية"كما أثبت في تحقيق الكتاب الآخر.
والثنوية: فرقة من الكفرة يقولون باثنينية الإله. قالوا: (نجد في العالم خيرا كثيرا وشرا كثيرا، وإن الواحد لا يكون خيِّرًا شِرِّيْرًا بالضرورة، فلكل منهما فاعل على حِدَةٍ) .