فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 79

إذ كل أحد يعلم بدونها أن كل محكم منه كذلك، كعلمه بأن النار حارة؛ لأن ذلك القول، قولٌ على سبيل المكابرة بلا برهان عليه، على أنَّا نقول: شرط القاعدة أن تكون كلية مشتملة على أحكام ما تحت موضوعها، لا أن تكون مفيدة فائدة جديدة، ولا أن تكون كسبية على ما مرت إليه الإشارة عند تمام تقرير الأدلة عليها، ألا ترى أن القوم يقولون: إن الشكل الأول بيّن لا يحتاج في إنتاجه إلى الاستدلال، بخلاف سائر الأشكال.

الرابع: أن المراد من حيث هو مرادٌ: غَيْبٌ، كالإرادة، فلا يُطلع عليه، لا سيّما إذا كان مراد الله - تعالى -، فكيف يقال: إن المحكم منه يدل عليه؟

قلتُ: نعم، لكن الغيب نوعان: نوعٌ لا يُطَّلع عليه، كالمغيبات الخمس، لا يعلمها إلا الله، ونوعٌ يُطَّلع عليه بنص الدليل الدال عليه، نحو ذات الباري - عزّ وجلّ - وصفاته، والمصنوع دليل عليها، ولهذا، أمر بالنظر بقوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] . وها هنا، الأمر كذلك، فإن القرآن، لما أُنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفَسَّر المحكم، وبَيَّن الأحكام، فقد دلّ على ما أريد منه قطعا كما ترى.

الخامس: أن اللفظ الموضوع لمعنًى يدل عليه عند الاستعمال، سواء كان ذلك المعنى مرادَ المتكلم أو لا، كما تقرر عند القوم: أن الدلالة تابعة للعلم بالوضع، لا تابعة لإرادة المتكلم، فلا يلزم دلالته على المراد، فضلا عن أن يدل عليه قطعا.

قلتُ: يلزم، لأن الدلالة ها هنا تابعة للإرادة قطعا، وإن لم تكن تابعة للإرادة في مطلق الدلالة، قال الله - تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصلٌ. وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق: 13 - 14] . قال أهل التفسير في ذلك: إن القرآن لقولٌ فاصل بين الحق والباطل، وجِدٌّ كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت