فنزل قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] ، ونحو ذلك من المروي في نزول الآيات والسور.
فإن قلتَ: فهل يجوز التكلم في سبب النزول بدون السماع والمشاهدة بالعرض على الأصول عند من يرى تأويل المتشابه؟
قلتُ لا يجوز؛ فإن سبب النزول من الأمور التي لا دليل عليها إلا من جهة الشرع، فإذا لم يجئ دليل من قِبَل الشرع على ذلك، لا يجوز التكلم فيه، فيكون التكلم فيه كالتكلم في المغيبات التي ليس لها دليل أصلا، فيتوقف فيه.
ولهذا، لم يتكلم المفسرون في سبب النزول بدون الدليل أصلا، وإن تكلموا في تأويل المتشابه بالعرض على الأصول على وجوهٍ شتى، بل أجمعوا على أن التكلم فيه لا يجوز بدون السماع والمشاهدة.
وأما المتشابه، فإنه مذكور، وله معنى أريد منه، معلوم لنا في الجملة.
ولهذا، جاز التكلم فيه بالعرض على الأصول.
فإن قلتَ: أليس التعريف المذكور لسب النزول تكلُّمًا فيه؟
قلتُ: لا نسلّم أنه تعريف له، بل هو بيان حالٍ من أحواله، سلمناه، لكن التكلُّم فيه على سبيل التصور ليس بممنوع، وإنما الممنوع هو التكلم على طريق التصديق بأن هذا سبب ذاك بدون السماع والمشاهدة.
وأما التصديق بأن لنزول القرآن سببا، فليس بممنوع أيضا، بل هو من أحكام الإيمان، يثبت مع ثبوته.
ألا ترى أن المؤمنين يعتقدون قيام الساعة اعتقادًا يقينيا وإن لم يعلموا وقوعها في وقت معيّن من الأوقات؛ هل في هذه السنة أو فيما يليها بعينها أو في غيرها؟!
(1) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 367) لابن عساكر، بسند ضعيف.