فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 79

قوله - تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] ، فإنه قد نُسخ إطلاقُه بقراءة ابن مسعود:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وقراءته مشهورة (1) ، وهو نسخ عند الحنفية، وأما عند الشافعي، فهو تقييد المطلق، كتقييد الرقبة في كفارة اليمين بقيد الإيمان، يكون بمنزلة تخصيص العام، حتى جوّز ذلك بالقياس وخبر الواحد، قال: الرقبة عامة تتناول الكافرة والمؤمنة، فإخراج الكافرة، يكون تخصيصا.

هذا، ثم إِنَّ تَأَخُّر النَّصَّيْن اللذَين لا يعلم تاريخهما عن الآخر قد يكون دلالة كما إذا كان أحدهما مُحَرِّما والآخر مُبِيحا، نحو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حَرَّم الضبّ، وروي أنه أباح الضبّ، وروي أنه حرّم لحوم الحمر الأهلية، وروي أنه أباحها، وروي أنه أباح الضبع، وروي أنه نهى عن أكل الضبع، فالمنفية يجعلون المحرم في أمثال هذه الصور ناسخا للمبيح، لأنه متأخر عن المبيح دلالة، وذلك، أن الأصل في الأشياء قبل البعثة هو الإباحة - عند البعض - والمراد من الإباحة ها هنا هو جواز الانتفاع خاليا عن أمارة المفسدة، فلو جعل المبيح ناسخا للمحرم وهو ناسخ للإباحة الأصلية، لتكرر النسخ، فيجعل المحرم ناسخا للمبيح، لئلا يتكرر النسخ، عملا بالظاهر، وذلك أن المراد من تكرر النسخ ها هنا هو تكرر التغيير، سواء كان تغيير حكم شرعي أو لا، والتغيير ها هنا ظاهر عند الكل، وتكرره غير ظاهر. والعمل بالظاهر ظاهر.

فإن قلتَ: لا يلزم من عدم اعتبار المحرم في أمرٍ اعتبار المبيح فيه، لجواز أن يكون ذلك الأمر واجبا أو مندوبا أو مكروها؟!

قلتُ: يلزم، لأن المراد من المبيح ها هنا ما يقابل المحرم؛ فإن الإباحة قد

(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور للحاكم، وقال: هي قراءة أُبَي (1/ 389) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت