فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 79

والعلم، ولا يتوصل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السعادات في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو أفضل وأشرف، فكيف لا؟! وإن لذّة العلم أعظم اللذات، كما أن ألم الجهل أشد الآلام، واللذة هي إدراك ونيل لوصول ما (هو كمال وخير عند المدرك، من حيث هو كذلك، كما أن الألم هو إدراك ونيل لوصول ما) (1) هو آفة وشرّ عند المدرك من حيث هو آفة وشرّ.

والإدراك، والعلم، والمعرفة، والشعور، والتصديق، والظن، واليقين، وما يتقارب منها في المفهوم من أحوال النفس، غنية عن التعريف بحسب الحقيقة؛ لأنها من الوِجدانيّات التي هي أنفسها حاصلة عند النفس، وحصول نفس حقيقة الشيء أقوى في التصوير من حصول صورتها ومثالها وشبحها؛ ولذا، تكون الصفات النفسانية والوِجدانيات أقوى في التصوير من الأمور الخارجة عن النفس؛ فإن تصور الصفات النفسانية هو حصول حقيقتها عند النفس، وتصور الأمور الخارجة عن النفس حصول مثالها وشبحها في النفس.

وما قيل من أن الإدراك هو تمثل حقيقة الشيء عند المدرك يشاهد بها ما به يدرك، فتعريف الإدراك بحسب اللفظ، ولهذا، لم يتحاش عن ذكر المدرك فيه، وأما النيل، فهو الوِجدان.

وإنما احتيج في تعريف اللذة إلى ذكر النيل، لأن إدراك الشيء قد يكون بحصول شبحه ومثاله، والنيل لا يكون إلا بحصول نفسه، واللذة لا تتم بحصول مثال اللذيذ فقط، بل إنما تتم بحصول مثاله، وبحصول نفسه، ولذلك، ذُكِرَا معا في التعريف، وقُدِّم الإدراك لكونه أعمّ من النيل.

وإنما قيل: لوصول ما هو كمال، ولم يقل: لما هو كمال؛ لأن اللذة ليست إدراك اللذيذ فقط، بل إدراك وصول الملذ إلى اللذيذ.

والكمال هو ما يكون مناسبا للشيء ولائقا به، وغاية كمال الإنسان أن

(1) قال الناسخ للشاملة:"يوجد هنا نقص في هذه الطبعة، وما بين القوسين استدراك من تحقيق آخر لهذا الكتاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت