إن المعجب المغرور محجوب عن رؤية نفسه، فهو لذلك محجوب عن معرفة ربه. ومن عميت بصيرته إلى هذه الدرجة لم يتصور منه الاتكال على ربه. ولم يوقن بحقيقة قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] .
إنما يتصور التوكل ممن يشعر بالافتقار إلى مولاه، وأنه لا يمكنه الاستغناء عنه طرفة عين ولا ما هو أقل منها.
وكان مما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته في علاج الكرب والضيق قوله: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (1) .
وقال لابنته وأحب الناس إليه: فاطمة الزهراء - رضي الله عنها:"مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ: أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَأَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ! أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، ولاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ" (2) .
ولذلك مثل المربون الصالحون حال المتوكل على الله -الذي غمره الشعور بالحاجة الدائمة إليه- بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيرها، بل لا يعرف غيره، وليس في قلبه التفات إلى شيء سواه. كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئًا يأوي إليه إلا ثدي أمه. كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه!
(1) رواه أبو داود [5090] ، والنسائي في عمل اليوم والليلة [651] ، وأحمد في المسند (5/ 42) ، والبخاري في"الأدب المفرد" [701] ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان: 970) كلهم من حديث أبي بكرة: نفيع بن الحارث - رضي الله عنه -.
(2) رواه الحاكم في المستدرك (1/ 545) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.