وأنشد بعض الفضلاء لنفسه:
اجعل بربك شأن عز ... ك يستقر ويثبت
فإن اعتززت بمن يمو ... ت فإن عزك ميت
ويقال لك: إذا اعتززت بغير الله فقدته، أو استندت إلى غيره عدمته! {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا. إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 97 - 98] (1) .
على أن الخلق لا أمان لهم، ولا ضمان لاستمرار ودهم وحسن صلتهم، فكم منهم من عاهد فغدر، ومن خاصم ففجر، ومن وعد فأخلف، ومن ائتمن فخان.
كم من صديق أسلم صديقه في ساعة الشدة، حتى قال الشاعر محذرًا:
أحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة!
فلربما انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرة!
وكم من سلطان غدر بأقرب بطانته إليه، وآثر خاصته لديه، لوشاية من حاسد، أو مكيدة من منافس، أو لظهور من يحل محله، ممن يسارع في هوى السلطان أكثر منه، أو لغير ذلك من الأسباب التي دونها التاريخ، والتي لم يدونها التاريخ.
وانظر"البرامكة"في عهد الرشيد، كيف كانوا، وكيف صاروا.
وقد تدرك المرء صحوة تتفتح فيها عين قلبه على الحقيقة، وهي أن عجز الخلق عجز ذاتي، ولا قوة لهم من أنفسهم ولا بأنفسهم، ولا قوة لهم إلا بالله، وأن الجن والإنس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء، لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وهنا لا يكون توكله إلا على مولاه.
(1) انظر:"شرح حِكَم ابن عطاء"لزورق، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود وزميله، ص 210.