قال: وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.
ومنها: رسوخ القلب في مقام التوحيد: فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. بل حقيقة التوكل: توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك، فتوكله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد: تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شُعبة من شُعَبِ قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشُعْبة، ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. وهذا حق. لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعًا منها متصلًا بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومنها اعتماد القلب على الله، واستناده إليه، وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها. بل يخلع السكون إليها من قلبه. ويلبسه السكون إلى مسبِّبها.
وعلامة هذا: أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. ولا يضطرب قلبه، ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال ما يكره. لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه، واستناده إليه، قد حصَّنه من خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به. فرأى حصنًا مفتوحًا، فأدخله ربه إليه. وأغلق عليه باب الحصن. فهو يشاهد عدوه خارج الحصن. فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له.
وكذلك من أعطاه ملك درهمًا، فسُرِق منه. فقال له الملك: عندي أضعافه. فلا تهتم. متى جئت إليّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته.
وقد مُثِّل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه، وطمأنينته بثدي