للدارين، فيعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل للآخرة كأنه يموت غدًا، كما جاء ذلك عن الصحابة.
إن الكسب والعمل الدنيوي ليس مجرد أمر مباح، بل هو مطلوب، طلب استحباب أو طلب وجوب، إذا نظرنا إلى ضرورته للمجتمع والأُمة.
وهذا ما نبَّه عليه الإمام الراغب - رحمه الله - في كتابه القيم"الذريعة إلى مكارم الشريعة"فقال تحت عنوان"وجوب التكسب":
"التكسب في الدنيا، وإن كان معدودًا من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه."
وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس، فلابد إذن أن يُعوِّضهم تعبًا من عمله، وإلا كان ظالمًا، فمن توسَّع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك، فلا بد أن يعمل لهم عملًا بقدر ما يتناوله منهم، وإلا كان ظالمًا لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل من عملهم فلم يتناول من دنياهم إلا قليلًا، يُرضَى منه بقليل من العمل ... ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعًا، فإنه لم يأتمر لله تعالى في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ، ولم يدخل في عموم قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] . ولهذا ذُمَّ من يدَّعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يُقتدَى به. فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعًا، فلا طائل في مثلهم إلا بأن يكدّروا المشارع (المياه) ، ويغلوا الأسعار.