فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ فِي شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةِ نَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (1) .
وفي لفظ: «وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِيْ عَنِ الْكَيِّ» .
أما الفقهاء فهم يعارضون غلاة الصوفية في أمر التداوي وسؤال الأطباء، بناء على قاعدة الأسباب الثابتة بحكم سنن الله الكونية، وأحكامه الشرعية جميعًا، واتباعًا لما صحَّت به سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونطقت به سيرته، وأفصحت عنه الأدلة المحكمة الناصعة، ولهذا خصصت مصنفات الحديث المؤلَّفة على الموضوعات كتابًا خاصًا للطب. كما في الصحيحين والسنن وغيرها.
دلَّت الأحاديث المستفيضة على العناية بصحة الأجسام وقوتها، وقررت أن للبدن حقًا في الراحة إذا تعب، وفي الشبع إذا جاع، وفي الدفء إذا برد، وفي النظافة إذا اتسخ، وفي العلاج إذا مرض. ووردت أحاديث شتَّى في الطب الوقائي، وفي الطب العلاجي.
فمن الطب الوقائي الأحاديث التي أقرت سُنَّة الله في العدوى، مثل قوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (2) ، ولا يعارض هذا حديث: (لا عدوى) ، لأن المقصود أن الأشياء لا تعدي بذاتها، بل بمشيئة لله وتقديره. وهو الذي وضع النواميس والأسباب.
«إِذَا وَقَعَ (أي: الطاعون) بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ ولَسْتُمْ بِهَا فَلاَ تَدْخُلُوهَا» (3) .. دلالة على وجوب الحَجْر الصحي، لمحاصرة الوباء في أضيق رقعة.
(1) ذكره في صحيح الجامع الصغير، ونسبه إلى أحمد والشيخين والنسائي [1431] .
(2) رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة جزءا من الحديث. انظر: صحيح الجامع الصغير [7530] .
(3) رواه أحمد ومسلم عن أسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت. ورواه الشيخان بلفظ مقارب. انظر: صحيح الجامع الصغير [2248، 2253] .