فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 122

عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا.

وفيها رد على مَن أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر، فكذلك، وأيضًا، فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش، والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكلٌ من قدر الله: الدافع والمدفوع والدفع.

ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببًا من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرَّة، لأن المنفعة والمضرة إن قُدِّرتا، لم يكن بُدٌ من وقوعهما، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالَم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] ، و {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] فهذا قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل.

وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدَّر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبَّب، وإلا فلا.

فإن قال: إن كان قدَّر لي السبب، فعلته، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت