يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عزَّ وجلَّ قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمَها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علَّمهم الله، ولهذا علَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضده، وكل داء له ضد من الدواء يُعالج بضده، فعلَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرًا، ومتى لم يقع المداوى على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحًا لذلك الدواء، لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمَّ مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد، وهذا أحسن المحملين في الحديث.
والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، ولا سيما والداخل في اللَّفظ أضعاف أضعاف الخارج منه.
ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغني بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته.
وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها