فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 122

العرب، ليصفوا له من الأدوية والعلاجات ما يُذهب بسقمه بإذن الله، وقد كان مسْقامًا كما تقول عائشة، أي يعرض له السقم والمرض كثيرًا.

ومما لا ريب فيه: أن مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الأرفع، وهَدْيه هو الأفضل، وحاله هو الأعلى من حال غيره، فإذا فعل ذلك دل هذا على أنه لا يناقض التوكل، لأن التوكل عمل قلبي، لا معارضة بينه وبين تعاطي الأسباب، ومنها التداوي.

وللإمام الغزالي كلام جيد -في جملته- في"كتاب التوكل"من"الإحياء"تحدَّث فيه عن التداوي بوصفه ضربًا من فن إزالة الضرر .. بيَّن فيه أن الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

مقطوع به؛ كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع ..

وإلى المظنون؛ كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل، وسائر أبواب الطب.

وإلى موهوم؛ كالكيّ والرقية.

قال: أما المقطوع به فليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت (وينبغي أن يلحق بالموت الألم الشديد والضرر البالغ ونحو ذلك)

وأما الموهوم، فشرط التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتوكلين، وأقواها: الكيّ، ويليه الرقية. والطِّيَرة آخر درجاتها. والاعتماد عليها، والاتكال إليها، غاية التعمق في ملاحظة الأسباب.

وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة -كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء- ففعله ليس مناقضًا للتوكل، بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظورًا، بخلاف المقطوع، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص. فهي على درجة بين الدرجتين.

ويدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل: فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله وأمره به.

وذكر من الأحاديث بعض ما ذكرناه من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت