فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 122

فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن مَن ترك الأسباب وفوَّض وأخلص في ذلك كان أرفع مقامًا (1) .

والذي أود التنبيه عليه -بعد سرد هذه الأقوال- أمران:

الأول: أن الذين استدلوا بترك الاكتواء والاسترقاء خاصة في الحديث، على ترك التداوي جملة، وترك تعاطي الأسباب عامة، واعتبار مَن فعل ذلك أفضل وأعلى مقامًا ممن تداوى وتعاطى الأسباب وهو متوكل على الله .. قد أسرفوا في الاستدلال، فإن الدليل أخص من الدعوى، فإن المذكورين في الحديث لم يُوصفوا بترك التداوي عامة، بل بترك نوع منه، وهو الاكتواء، لما فيه من الألم العظيم، والخطر الجسيم، وقد ذكرنا سر كراهية الاكتواء قبل هذا.

الثاني: أن هَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهَدْي أصحابه - رضي الله عنه - م، هو خير الهًدْي، وسُنَّتهم هي المتبعة دون غيرها. وقد تداوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتداوى أصحابه في حياته، ومن بعده، وهم الذين يُقتدَى بهم فيُهتدَى.

قال عروة بن الزبير لخالته عائشة أم المؤمنين: قد أخذتِ السنن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والشعر والعربية عن العرب، فممن أخذت الطب؟ قالت: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان رجلًا مسْقامًا، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم) (2) .

فهذا أفضل الخلق، وسيد الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، يأتيه أطباء

(1) فتح الباري (10/ 211 - 212) .

(2) رواه الحاكم في المستدرك (4/ 197) وقال: صحيح الإسناد، وزاد الذهبي أنه على شرط الشيخين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت