والاستكبار ويرسي دعائم الحرية للعقائد كلها: {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] .
فمن فهم طبيعة الرسالة الإسلامية لم يصعب عليه تصور الجهاد فريضة من فرائضها، وعبادة من عباداتها.
ولقد كان الله تعالى ينتقم لرسله والمؤمنين - قبل الإسلام - من الطغاة المكذبين بِنِقَمٍ سماوية، وخوارق كونية، يُنْزِلها بأعدائه فتدمّر عليهم، وتجعلهم حصيدا خامدين، كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وهامان وقارون وغيرهم. قال تعالى {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] .
ولكن الله فضّل هذه الأمة الخاتمة فلم يجعل الخوارق الكونية أساسا في ثبوت رسالتها، ولا في نُصرة دعوتها (1) ، ولو شاء الله لخسف بأعدائها الأرض، أو أسقط عليهم كِسَفا من السماء، وأراح رسوله والمؤمنين من عناء الجهاد.
بيد أن الله تعالى كرّم هذه الأمة، وأسبغ عليها فضله، وأتمّ عليها نعمته، فكلّفها عبء الجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله، ومدافعة الباطل بما معها من حق، مُعِدَّة لأعدائها ما استطاعت من قوة، ومعتمدة بعد ذلك على الله تبارك وتعالى. ولهذا أنكر القرآن على فريق من الصحابة - رضوان الله عليهم -
(1) قلت: لم يجعلها أساسا، بمعنى أنها ليست هي الأصل والعمدة في ذلك، وهذا لا ينفي أن تكون هناك خوارق كثيرة لتأييد نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد معجزاته الكبرى وآيته العظمى، وهي القرآن، بل هذا ما ثبت بالفعل ثبوتا مستفيضا قاطعا، كما لا ينفي أن يقع كثير من الخوارق نصرةً للمؤمنين، من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل: نزول الملائكة في بدر والخندق وحنين، وغير ذلك، مما حفلت به الكتب والمصادر الموثقة.