وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن أراد الاعتزال للعبادة: «لا تفعل، فإن مُقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما» (1) .
وفي فضل الرباط جاء حديث سلمان مرفوعا: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان» . رواه مسلم.
وهذا ما جعل إمامًا مثل: عبد الله بن المبارك وهو في أرض الرباط يكتب إلى صديقه الفضيل بن عياض الزاهد العابد، وهو ينتقل بين الحرمين مكة والمدينة متعبدا:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ÷ لعلمتَ أنّك بالعبادة تلعب!
من كان يخضب خدّه بدموعه ÷ فنحورنا بدمائنا تتخضّب!
... إلى آخر الأبيات (2) .
ومن المقرر فقها: أن النافلة لا يجوز تقديمها على الفريضة، وأن فرض العين مقدم على فرض الكفاية، وأن فرض الكفاية - الذي لم يقم به أحد أو عدد يكفي - مقدم على فرض الكفاية الذي قام به من يكفي ويسد الثغرة، وأن فرض العين المتعلق بالجماعة والأمة مقدم على فرض العين المتعلق بحقوق الأفراد، وأن الواجب المحدّد الوقت والذي جاء وقته بالفعل مقدم على الواجب الموسع في وقته.
ومن المقرر كذلك أن المصالح المقررة شرعا متفاوتة فيما بينها، فالمصالح الضرورية مقدمة على الحاجية والتحسينية، والمصالح الحاجية مقدمة على
(1) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وقد مضى بتمامه (ص 99، 100) .
(2) ذكر القصة الحافظ ابن كثير في تفسير آخر آية من سورة آل عمران، كما ذكرها غيره من المؤرخين.