التحسينية، والمصالح المتعلقة بمصالح الأمة وحاجاتها أولى بالرعاية من المصالح المتعلقة بالأفراد عند التعارض، وهنا نجد فقه الموازنات يلتقي فقه الأولويات.
إن آفة كثير من فصائل الصحوة الإسلامية هي غياب فقه الأولويات عنها، فكثيرا ما تهتم بالفروع قبل الأصول، وبالجزئيات قبل الكليات، وبالمختلف فيه قبل المتفق عليه، وتسأل عن دم البعوض، ودم الحسين مهراق، ونثير معركة من أجل نافلة، وقد ضيّع الناس الفرائض، أو من أجل شكل أو هيئة، دون اعتبار للمضمون.
وهذا هو الحال عند عموم المسلمين، أرى الملايين يعتمرون تطوعا كل عام في رمضان وغيره، ومنهم من يحج للمرة العاشرة أو العشرين، ولو جُمِع ما ينفقه هؤلاء في هذه النوافل لبلغ آلاف الملايين، ونحن نلهث من عدة سنوات لتجميع ألف مليون دولار للهيئة الخيرية الإسلامية، فلم نحصل على عشر المبلغ، ولا نصف عشره، ولا ثلثه! ولو قلتَ لهؤلاء المتطوعين بالعمرة أو الحج: ادفعوا ما تنفقونه في رحلتكم التطوعية لمقاومة التنصير أوالشيوعية في آسيا وإفريقيا، أو المجاعات هنا وهناك، ما استجابوا لك، وهذه آفة قديمة شكا منها أطباء القلوب (1) .
وإن من فقه الأولويات: أن نعرف أي القضايا أولى بالاهتمام فتُعطى من الجهد والوقت أكثر مما يعطى غيرها.
وقد أنكر الإمام الغزالي في «الإحياء» على بعض فرق العُبّاد والمتصوفة غرورهم ببعض أنواع العبادة، دون مراعاة لمراتب الأعمال والطاعات، ومنزلة بعضها من بعض، من حيث إن فيها النافلة والفريضة، وفرض الكفاية وفرض
(1) انظر: قصة بشر الحافي مع أحدهم في «الإحياء» (3/ 409) .