فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 118

وقد روي هذا عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في عدد من المسدائل، وعقب على ذلك الإمام الرازي في «المحصول» فقال: «هذا يدل على كمال منصبه في العلم والدين.

أما العلم: فلأن كل مَن كان أغوص نظرا، وأدق فكرا، وأكثر إحاطة بالأصول والفروع، وأتم وقوفا على شرائط الأدلة، كانت الإشكالات عنده أكثر.

أما المصرّ على الوجه الواحد - طول عمره - في المباحث الظنية بحيث لا يتردد فيه: فذلك لا يكون إلا من جمود الطبع وقلة الفطنة، وكلال القريحة، وعدم الوقوف على شرائط الأدلة والاعتراضات.

وأما الدين فمن وجهين:

الأول: أنه لما لم يظهر له فيه وجه الرجحان: لم يستَحِ من الاعتراف بعدم العلم، ولم يشتغل بالترويج والمداهنة، بل صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، وذلك لا يصدر إلا عن الدين المتين.

كيف - وقد نُقل عن عمر رضي الله عنه اعترافه بعدم العلم، في كثير من المسائل (1) ، وجميع المسلمين عدُّوا ذلك من مناقبه وفضائله، فكيف جعلوه عيبا ههنا؟!

والثاني: وهو أنه - رضي الله عنه - لم يقل ابتداء: «إني لا أعرف هذه المسألة» ، بل وجد المسألة واقعة بين أصلين، فذكر وجه وقوعها بينهما، وكيفية اشتباهها بهما، ثم لما لم يظهر له الرجحان تركها على تلك الحالة ليكون ذلك بعثا له على الفكر بعد ذلك، وحثًّا لغيره من المجتهدين على طلب الترجيح.

(1) نحو هذا روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - في مواطن كثيرة منها ما يتعلق بميراث الجد والإخوة، وميراث الكلالة، وبعض أبواب الربا، وقد أخرج ذلك عنه البخاري ومسلم وغيرهما. وانظر: «سنن البيهقي» (6/ 245) ، و «فتح القريب» (1/ 39) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت