وذكر فيما كتبه على مختصر السعد قولا بأنه كشف الكلام النفسي بالكلام الحسي، فيكون على الأول مصدر بان، وعلى الثاني: اسم مصدر لـ أبان.
وأما في الاصطلاح فحده: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة.
قوله: علم، أي ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو أصول وقواعد معلومة على ما تقدم في تعريف علم المعاني.
والملكة هي: كيفية راسخة في النفس.
والكيفية: عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير ولا يقتضي القسمة واللاقسمة في محله اقتضاء أوّليا.
وتحقيقه: أنه يحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال. ويقال لتلك الهيئة: كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال، فإذا تكررت ومارست النفس لها حتى ترسخ تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة بالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا.
قوله: يعرف به، أي برعايته، إذ لو لم يراع، ولم يعرض عليه المعنى الوارد على قصد المتكلم، لم يعرف إيراده، وهذا هو المتعارف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها. ا. هـ. أطول.
والغرض من معرفة الإيراد المذكور: الاحتراز عن الخطأ في كيفية إيراد الكلام، حتى لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالة خفية عند اقتضاء المقام دلالة واضحة أو دلالة واضحة عند اقتضائه دلالة خفية.
قوله: المعنى، اللام للاستغراق، فالمعنى على كون اللام للاستغراق علم يعرف به إيراد كل معنى يدخل تحت قصد المتكلم، فلو عرف من ليس له هذه الملكة إيراد كل معنى يدخل في قصده كالعربي المتكلم بالسليقة، لم يكن عالما بعلم البيان.
قوله: الوحد، تقييد المعنى بالواحد للدلالة على أنه لو أورد معاني متعددة بطرق مختلفة، لم يكن ذلك من البيان في شيء.
قوله: بطرق، الباء بمعنى في، والمراد: بالطرق: التراكيب، فشبه التراكيب بالطرق بجامع السلوك في كلٍّ، لأن المعنى يسلك التراكيب، فيصل إلى فهم السامع، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه.
وأما نكتة التعبير عن التراكيب بالطرق، فلرعاية براعة الاستهلال، وتأنيس للدخيل في الفن، وإن كان الأنسب بصناعة التعريف خلافه. كذا في الأطول.
قوله: مختلفة الوضوح، بأن يكون بعض الطرق واضحا في الدلالة على المعنى، وبعضها أوضح، والواضح خفي بالنسبة إلى الأوضح، فلا حاجة لذكر الخفاء.
وخرج بقوله: مختلفة الوضوح: معرفة إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في اللفظ مع كونها مماثلة في الوضوح، وذلك كالتعبير عن كرم زيد بقولنا: زيد كريم = زيد جواد، وكالتعبير عن الحيوان المفترس بالأسد والغضنفر، فمعرفة إيراد هذا المعنى بهذه الطرق ليست من علم البيان.
قوله: في الدلالة عليه، أي المعنى، لا الكلمات. والمراد بالدلالة: الدلالة العقلية، لا الوضعية، لأنها المختلفة في ذلك، كما أشار إليه السعد في مختصره بقوله: وإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح لا يتأتى بالدلالات المطابقية .. إلى آخر ما قاله.
فإن قيل: المراد بالدلالة: كون اللفظ بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، ولا معنى لوصف ذلك الكون بالوضوح،