المطلق، والثاني: التصديق بفائدة مّا، لأن الشروع في العلم فعل اختياري، فلا بد من أن يعلم أولا: أن لذلك العلم فائدةً مّا، وإلا لامتنع الشروع مطلقا فيه، كما بين في موضعه.
وأما ما عداهما من الأشياء التي يسميها القدماء بالرؤوس الثمانية، فقد ذكر تفصيلها في التهذيب وشروحه، فراجعها.
وقد نظم بعض الأفاضل مبادي الفنون بقوله:
إن مبادي كل فن عشره ÷ الحد والموضوع ثم الثمرة
وفضله ونسبة والواضع ÷ والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ÷ ومن درى الجميع حاز الشرفا
ومن حق كل طالب كثرة تضبطها جهة وحدة أن يعرفها بتلك الجهة للأمن من أن يفوته ما يعنيه، ويضيع عمره فيما لا يعنيه.
ولا شك أن طالب العلوم كثرة من حقه أن يتصور العلم المشروع فيه أولا بتعريف مأخوذ من جهة وحدته الذاتية أو العرضية، حتى يحصل له علم إجمالي بذلك، فيصح توجّهه إليه بخصوصه، ويكون على بصيرة في طلبه، ولا يكون ضالا في طريقه، فإن من ركب متن عمياء، يوشك أن يخبط خبط عشواء.
وأن يعرف موضوعه أي يصدق بموضوعية موضوعه، حتى يتميز عنده، لأن تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات، فإن علم الفقه مثلا إنما يمتاز عن علم أصول الفقه بموضوعه، لأن علم الفقه يبحث فيه عن أفعال المكلفين من حيث إنها تحلّ وتحرم، وتصحّ وتفسد، وعلم أصول الفقه باحث عن الأدلة السمعية من حيث إنها تستنبط منها الأحكام الشرعية، فلما كان لهذا موضوع، ولذلك موضوع آخر، صارا عِلْمَين متميزين منفردا كل منهما عن الآخر. فلو لم يعرف الشارع في العلم أن موضوعه أي شيء هو، لم يتميز العلم المطلوب عنده، ولم يكن في طلبه على بصيرة.
وأن يعرف غايته وفائدته المعتد بها، أي يصدق بذلك، دفعا للعبث، ولتزداد رغبته وجِدّه فيه، فإن الطالب إذا لم يعتقد فيه فائدة أصلا، أو فائدة معتدا بها، لم يتصور شروعه فيه على وجه البصيرة والاجتهاد. وأما إذا تصور الفائدة المعتدّ بها، المترتبة على العلم المشروع فيه، فإنه تكمل رغبته فيه، ويبالغ في تحصيله كما هو حقه، ويزداد ذلك الاعتقاد بعد الشروع بواسطة مناسبة مسائله لتلك الفائدة، وبالله التوفيق.
إذا تمهّد هذا، أقول:
المقدمات جمع مقدمة. والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منها. وهي بكسر الدال، كما صرّح به في الفائق، فهي اسم فاعل من قدّم المتعدي أي مقدمة من فهمها على غيره، لما اشتملت عليه من تعريف الفقه لغة واصطلاحا، وموضوعه، واستمداده، ومحظوره، ومباحه، وفضل العلم وتعلمه، وترجمة الإمام، وغير ذلك.
وقد يجاب عنه بأن هذا ليس من باب التعدية، بل من باب الحذف والإيصال. والأصل تقدم عليه.
ويجوز فتح الدال، اسم مفعول من المتعدي أيضا، أي قدمها أرباب العقول على غيرها، لما اشتملت عليه.