وأما من اللازم بمعنى تقدم بذاتها على غيرها، فتكون بكسر الدال، لا غير، لأن اسم الفاعل يصاغ من اللازم والمتعدي، واسم المفعول لا يصاغ من اللازم، بل من المتعدي.
وهي في الأصل صفة، ثم جعلت اسما للطائفة المتقدمة من الجيش، ثم نقلت إلى أول كل شيء، ثم جعلت اسما للألفاظ المخصوصة حقيقة عرفية إن لوحظ أنها فرد من أفراد المفهوم الكلي، أو مجازا إن لوحظ خصوصها.
وهي قسمان:
مقدمة العلم، وهي ما يتوقف عليه الشروع في مسائله من المعاني المخصوصة،
ومقدمة الكتاب، وهي طائفة من الكلام قدمت أمام المقصود، لارتباطه له بها، وانتفاع بها فيه.
فالأولى: معانٍ، والثانية: ألفاظ. فبين المقدمتين تباين وتمام. وتحقيق ذلك في المطول وحواشيه، فراجعه.
الفقه لغة: العلم بالشيء، ثم خص بعلم الشريعة. نقله في البحر عن ضياء الحلوم.
وفقِه - بالكسر - فقها: علم. وفقُه - بالضم - من باب ظَرُفَ، أي صار فقيها.
واصطلاحا: معرفة النفس ما لها وما عليها. ويزاد: عملا، ليخرج الاعتقاديات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتصوف. ومن لم يزد، أراد الشمول.
هذا التعريف منقول عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -
فالمعرفة: إدراك الجزئيات عن دليل، فخرج: التقليد.
وقوله: ما لها وما عليها، يمكن أن يراد به ما تنتفع به النفس، وما تتضرر به في الآخرة، كما في قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .
فإن أريد بها الثواب والعقاب فاعلم أن ما يأتي به المكلف إما واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه كراهة تحريم أو حرام، فهذه ستة، ثم لكل واحد طرفان: طرف الفعل، وطرف الترك، يعني: عدم الفعل، فصار: اثني عشر، ففعل الواجب والمندوب مما يثاب عليه، وفعل الحرام والمكروه تحريما وترك الواجب مما يعاقب عليه، والباقي لا يثاب ولا يعاقب عليه، فلا يدخل في شيء من القسمين.
وإن أريد بالنفع: عدم العقاب، وبالضرر: العقاب، ففعل الحرام والمكروه تحريما وترك الواجب يكون من القسم الثاني، أي مما يعاقب عليه، والتسعة الباقية يكون من الأول، أي مما لا يعاقب عليه.
وإن أريد بالنفع: الثواب، وبالضر: عدم الثواب، ففعل الواجب والمندوب مما يثاب عليه، ثم العشرة الباقية مما لا يثاب عليها.
ويمكن أن يراد بـ"ما لها وما عليها": ما يجوز لها وما يجب عليها، ففعل ما سوى الحرام والمكروه تحريما، وترك ما سوى الواجب: يجوز لها. وما يجب عليها: ففعل ما سوى الحرام والمكروه تحريما، وترك ما سوى الواجب: يجوز لها، وفعل الواجب وترك الحرام والمكروه تحريما: يجب عليها. بقي فعل الحرام والمكروه تحريما، وترك الواجب خارجين عن القسمين.
ويمكن أن يراد بـ"ما لها وما عليها": ما يجوز لها وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف.
إذا عرفت هذا، فالحمل على وجه لا يكون بين القسمين واسطة أولى.
ثم"ما لها وما عليها"يتناول الاعتقاديات، كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية، والعمليات كالصلاة والصوم والبيع ونحوها؛
فمعرفة"ما لها وما عليها"من الاعتقاديات هي علم الكلام.
ومعرفة"ما لها وما عليها"من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوف، كالزهد، والصبر، والرضا، وحضور القلب في الصلاة، ونحو ذلك.
ومعرفة"ما لها وما عليها"من العمليات هي الفقه المصطلح عليه.