فإن أردت بالفقه هذا المصطلح، زدتَ"عملا"على قوله:"ما لها وما عليها".
وإن أردت ما يشمل الأقسام الثلاثة، لم تزد.
وأبو حنيفة - رحمه الله - إنما لم يزد هذا القيد، أي:"عملا"، لأنه أراد الشمول، أي أطلق الفقه على العلم بـ"ما لها وما عليها"، سواء كان من الاعتقاديات، والوجدانيات، أو العمليات. أو من سمّى الكلام فقها أكبر.
وقيل: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، أي عرّف أصحاب الشافعي - رحمه الله تعالى - الفقه بهذا التعريف.
فالعلم: جنس، والباقي فصل.
قوله العلم: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع عن دليل. والمراد به هنا: الظن، أي ظن الأحكام، إذ أحكام الفقه كلها ظنية، لا يقينية، وإلا لما وقع فيها اختلاف، فإطلاق"العلم"على"الظن"مجاز مرسل، والعلاقة: المجاورة الذهنية. لا يقال: المجاز ممنوع في الحدود، لأنا نقول: محلّه ما لم يشتهر.
والباء في:"بالأحكام"للتعدية، إن أريد من العلم الإدراك، أي التصديق، وإن أريد منه القواعد، كانت الباء للملابسة من ملابسة الكل للجزء، إذ السبب أجزاء للقواعد. وإن أريد منه الملكة التي يقتدر بها على ظن الأحكام، فالباء للملابسة من ملابسة السبب للمسبب.
و"أل"في"الأحكام"إما للاستغراق الحقيقي، أو العرفي. واعترض على جعلها للاستغراق الحقيقي بأن بعض من هو فقيه بإجماع قد لا يعرف بعض الأحكام كمالك - رحمه الله تعالى - سئل عن أربعين مسألة، فقال في ستٍّ وثلاثين: لا أدري، وثبت توقف أبي حنيفة في ثمان مسائل.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن كون المراد بالأحكام جميعها لا ينافيه قول مالك من أكابر الفقهاء في ست وثلاثين مسألة لا أدري، لأنه متهيئ للعلم بأحكامها بمعاودة النظر.
وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع عرفا، يقال: فلان يعلم كذا، ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل، بل أنه متهيئ لذلك.
قوله:"بالأحكام"، يمكن أن يراد بالحكم هنا إسناد أمر إلى آخر، ويمكن أن يراد: الحكم المصطلح، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فإن أريد الأول: يخرج العلم بالذاتيات والصفات التي ليست بأحكام عن الحد، أي يخرج التصورات، ويبقى التصديقات.
وبـ"الشرعية": أي الموقوفة على خطاب الشارع.
يخرج العلم بالأحكام العقلية، أو الحسية، كالعلم بأن العالم محدث، والنار محرقة.
والاصطلاحية، كالعلم برفع الفاعل.
وإن أريد الثاني، فقوله: بالأحكام يكون احترازا عن علم ما سوى خطاب الله تعالى المتعلق إلى آخره.
فالحكم بهذا التفسير قسمان: شرعي، أي خطاب الله تعالى بما يتوقف على الشرع، وغير شرعي، أي خطاب الله تعالى بما لا يتعلق على الشرع، كوجوب الإيمان بالله تعالى، ووجوب تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحوهما مما لا يتوقف على الشرع، لتوقف الشرع عليه.
ثم الشرعي إما نظري، وهو ما لا يتوقف بكيفية عمل، وإما عملي، وهو ما يتعلق بها.
فالتقييد بـ"العملية"أي المتعلقة بكيفية، أي صفة عمل، كثبوت الوجوب للصلاة في قولك: الصلاة واجبة، فالثبوت حكم متعلق بكيفية، وهي الوجوب، وهو صفة عمل هو الصلاة، لإخراج النظرية، ككون الإجماع حجة.
وقوله:"من أدلتها"أي العلم الحاصل للشخص الموصوف به، من أدلتها المخصوصة بها، وهي الأدلة الأربعة