التفت عن يمينه وشماله يقول: يا ابن رواحة يا ابن مظعون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ «1» ثم صافحني وسلّم علي.
(و قال) قبيصة بن عقبة: رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته فقلت: ما فعل اللّه بك، فقال:
نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضانا عنك يا ابن سعيد
فقد كنت قواما إذا الليل قد دجا ... بعيرة محزون وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فإني منك غير بعيد
وقال سفيان بن عيينة: رأيت سفيان الثوري بعد موته يطير في الجنة من نخلة إلى شجرة ومن شجرة إلى نخلة وهو يقول: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ «2» فقيل له: بما أدخلت الجنة؟ قال: بالورع بالورع، قيل له: فما فعل علي بن عاصم «3» ؟ قال: ما نراه إلا مثل الكوكب.
(و كان) شعبة بن الحجاج «4» ومسعر بن كدام «5» حافظين وكانا جليلين، قال أبو أحمد البريدي: فرأيتهما بعد موتها، فقلت: أبا بسطام ما فعل اللّه بك؟ فقال:
وفقك اللّه لحفظ ما أقول:
(1) سورة الزمر، الآية 74.
(2) وهي من قوله تعالى في سورة الصافات، الآية 61.
(3) هو علي بن عاصم أبو الحسن الواسطي، محدث واسط، روى عن حصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب والكبار، وكان يحضر مجلسه ثلاثون ألفا، توفي سنة إحدى ومائتين وله بضع وتسعون سنة.
(4) هو شعبة بن الحجاج بن الورد الإمام أبو بسطام العتكي الأزدي مولاهم الواسطي شيخ البصرة، وأمير المؤمنين في الحديث، روى عن معاوية بن قرة وعمرو بن مرة وخلق من التابعين، قال الشافعي: لو لا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال ابن المديني: له نحو ألقي حديث، وقال سفيان لما بلغه موت شعبة: مات الحديث وقال أبو زيد الهروي: رأيت شعبة يصلي حتى تورمت قدماه، وقد أثنى جماعة من كبار الأئمة على شعبة ووصفوه بالعلم والزهد والقناعة والرحمة والخير، وكان رأسا في العربية والشعر سوى الحديث، توفي سنة ستين ومائة لثلاث بقين من جمادى الآخرة.
(5) هو مسعر بن كدام الحافظ أبو سلمة الهلالي الكوفي أخذ عن الحكم وقتادة وخلق، وكان عنده نحو ألف حديث، قال يحيى القطان: ما رأيت أثبت منه، وقال شعبة: كنا نسمي مسعرا: المصنف، وقال أبو نعيم: مسعر أثبت من سفيان وشعبة، توفي سنة خمس وخمسين ومائة.