فجئت حتى دخلت، فسلمت عليه، فإذا بمسلم بن الرنجي، فسلمت عليه وقلت:
يا أبا خالد ما بال هذه القبور عليها سرادق وقبرك عليه سرادق وفسطاط وفيه سدرة؟
فقال: إني كنت كثير الصيام، فقلت: فأين قبر ابن جريج وأين محله؟ فقد كنت أجالسه وأنا أحب أن أسلم عليه، فقال: هكذا، بيده هيهات وأدار إصبعه السبابة، وأين قبر ابن جريج رفعت صحفته في عليين.
و رأي حماد بن سلمة «1» في النوم أصحابه، فقال له: ما فعل اللّه بك؟
فقال: قال لي: طال ما كدت نفسك في الدنيا فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعبين.
و هذا باب طويل جدا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه وقلت: هذه منامات، وهي غير معصومة، فتأمل من رأى صاحبا له أو قريبا أو غيره فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا، أو أخبره بمال دفنه أو حذره من أمر يقع أو بشره بأمر يوجد فوقع كما قال، أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا اللّه، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب.
و أبطل من قال أن هذه كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم، وهذا من الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن لها معرفة قط بهذه الأمور التي يخبر بها الميت، ولا خطرت ببالها ولا عندها علامة عليها، ولا إمارة بوجه ما، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك.
و إن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد، بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق.
(1) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري الحافظ، سمع قتادة وأبا جمرة الضبعي وطبقتهما، وكان سيد أهل وقته، قال رهيب بن خالد: حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا، قال ابن المديني: كان عند يحيى بن ضريس عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة أنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا، وقال شهاب البلخي: كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال، وقال غيره: كان فصيحا مفوها إماما في العربية، صاحبة سنّة، له تصانيف في الحديث توفي في آخر سنة سبع وستين ومائة.