و لم يزل الناس قديما وحديثا تعرف هذا وتشاهده، قال جميل بن معمر الغنوي:
أظل نهاري مستهاما وتلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها
فإن قيل: فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه وربما كان بينهما مسافة بعيدة ويكون الرائي يقظان، روحه لم تفارق جسده، فكيف التقت روحاهما، قيل: هذا إما أن يكون مثلا مضروبا ضربه ملك الرؤيا للنائم، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له منامه كما قال حبيب بن أوس:
سقيا لطيفك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول
وقد تتناسب الروحان وتشتد علاقة إحداهما بالأخرى، فيشعر كل منهما ببعض ما يحدث لصاحبه، وإن لم يشعر بما يحدث لغيره لشدة العلاقة بينهما، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب.
و المقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات، قال بعض السلف: إن الأرواح تتلاقى في الهواء فتتعارف أو تتناكر، فيأتيها ملك الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر، قال: وقد وكل اللّه بالرؤيا الصادقة ملكا علمه وألهمه معرفة كل نفس بعينها واسمها ومتقلبها في دينها ودنياها وطبعها ومعارفها، لا يشتبه عليه منها شي ء ولا يغلط فيها، فتأتيه نسخة من علم غيب أئمة من أم الكتاب بما هو مغيب لهذا الإنسان من خير وشر في دينه ودنياه، ويضرب له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته، فتارة يبشره بخير قدمه أو يقدمه، وينذره من معصية ارتكبها أو هم بها، ويحذره من مكروه انعقدت أسبابه ليعارض تلك الأسباب بأسباب تدفعها، ولغير ذلك من الحكم والمصالح التي جعلها اللّه في الرؤيا نعمة منه ورحمة وإحسانا وتذكيرا وتعريفها، وجعل أحد طرق ذلك تلاقي الأرواح وتذاكرها وتعارفها، وكم من كانت توبته وصلاحه وزهده وإقباله على الآخرة عن منام رآه أو رئي له، وكم ممن استغنى وأصاب كنزا دفينا عن منام.
و في (كتاب المجالسة) لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة عن أبي حاتم عن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عمن حدثه قال: خرجنا مرة في سفر وكنا ثلاثة نفر، فنام أحدنا، فرأينا مثل المصباح خرج من أنفه فدخل غارا قريبا