فهرس الكتاب
لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟» ، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لاَهَا اللَّهِ، إِذًا لاَ يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، يُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ» ، فَأَعْطَاهُ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ" (2) "
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قَوْلُهُ مَنْ تَفَرَّدَ بِدَمٍ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مَنْ قَتَلَ وَحْدَهُ، فَلَهُ سَلَبُ الْمَقْتُولِ، إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا بِدَمِهِ، وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ كَانَ السَّلَبُ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ، الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٍ فِي قَاتِلٍ وَاحِدٍ، وُجِدَتْ فِي الْقَاتِلِينَ، إِذَا اشْتَرَكُوا فِي دَمٍ، وَاسْتَوَى حُكْمُهُمْ، وَحُكْمُ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا وَصَفْنَا» (3)
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ: يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ السَّلَبَ، سَوَاءٌ قَالَ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ ذَلِكَ هَذَا الْقَوْلَ أَمْ لَا. قَالُوا: وَهَذَا فَتْوَى مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَجَعَلُوا هَذَا إِطْلَاقًا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَيْسَ بِفَتْوَى مِنْهُ وَلَا إِخْبَارٍ عَامٍّ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ. (4)
قلت: ويؤيد الرأي الثاني ما جاء عن رَجَاءَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «لَا نَفَلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَرُدُّ الْمُسْلِمُونَ، قَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ» (5)
قَوْلُهُ: (قَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ) أَيْ: إِذَا خَرَجَ الْعَسْكَرُ مَعَ الْإِمَامِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ حَارَبَ الْأَقْوِيَاءُ، فَالْقِسْمَةُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْكُلُّ. (6)