وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، قَالُوا كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا غَزَا، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَجَّهُ إِلَى أُحُدٍ، قَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً فَلَوْ قَعَدْتَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الْجِهَادَ. فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ أَنْ أَخْرُجَ مَعَكَ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُسْتَشْهَدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الْجِهَادَ". وَقَالَ لِبَنِيهِ:"وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلَّ اللهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ". فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا"السنن الكبرى للبيهقي (9/ 42) (17821) صحيح مرسل"
خامسا- وأما إذن الوالدين، فلا يجُوزُ الْجِهادُ إِلاّ بِإِذْنِ الأبويْنِ الْمُسْلِميْنِ، أوْ بِإِذْنِ أحدِهِما إِنْ كان الآْخرُ كافِرًا، إِلاّ إِذا تعيّن، كأنْ ينْزِل الْعدُوُّ بِقوْمٍ مِن الْمُسْلِمِين، ففرْضٌ على كُل منْ يُمْكِنُهُ إِعانتُهُمْ أنْ يقْصِدهُمْ مُغِيثًا لهُمْ، أذِن الأبوانِ أمْ لمْ يأْذنا، إِلاّ أنْ يضِيعا، أوْ أحدُهُما بعْدهُ، فلا يحِل لهُ ترْكُ منْ يضِيعُ مِنْهُما؛ عنْ عبْدِ اللهِ بْنِ عمْرٍو، قال: جاء رجُلٌ إِلى النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فاسْتأْذنهُ فِي الجِهادِ، فقال: «أحيٌّ والِداك؟» ،قال: نعمْ، قال: «ففِيهِما فجاهِدْ» صحيح البخاري (4/ 59) (3004) وصحيح مسلم (4/ 1975) 5 - (2549) .
فدل على أنّ بِرّ الْوالِديْنِ مُقدّمٌ على الْجِهادِ. ولِأنّ الأصْل فِي الْجِهادِ أنّهُ فرْضٌ على الْكِفايةِ ينُوبُ عنْهُ غيْرُهُ فِيهِ، وبِرُّ الْوالِديْنِ فرْضٌ يتعيّنُ عليْهِ؛ لِأنّهُ لا ينُوبُ عنْهُ فِيهِ غيْرُهُ، فعنْ زُرارة بْنِ أوْفى، أنّ رجُلًا سأل ابْن عبّاسٍ فقال: إِنِّي نذرْتُ أنْ أغْزُو الرُّوم وإِنّ أبواي يمْنعانِي؟ قال: «أطِعْ أبويْك فإِنّ الرُّوم ستجِدُ منْ يغْزُوها غيْرك» البر والصلة للحسين بن حرب (ص:36) (71) صحيح
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟» ، قَالَ: أَبَوَايَ، قَالَ: «أَذِنَا لَكَ؟» قَالَ: «لَا» ، قَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا