فهرس الكتاب
ومن الفوائد في كلام الإمام الشافعي رحمه الله - كذلك- تقريره لمشرعية أسر وخطف كل مشرك ليس بينه وبين المسلمين عهد أو أمان سواء كان محاربًا لهم بالفعل أم لا، كما هو صريح في قوله:"وَلَمَّا كَانَ حَبْسُ هَذَا حَلَالًا بِغَيْرِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ وَإِرْسَالُهُ مُبَاحًا كَانَ جَائِزًا أَنْ يُحْبَسَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَيُخْلَى تَطَوُّعًا إذَا نَالَ بِهِ بَعْضَ مَا يُحِبُّ حَابِسُهُ"
وقبل ذلك كله قد قال الشافعي:"إنَّمَا هُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مُشْرِكٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَالْمَالِ لِشِرْكِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ مُبَاحٌ"
وقد مرَّ معنا في حديث أسر وخطف ثمامة بن أثال رضي الله عنه قبل إسلامه، وفيه"وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ"
فكونه في طريقه للعمرة: لم يمنع من أخذه وإلقائه في أسر المسلمين، ثم التصرف معه وفقا للمصلحة القائمة كما أشرنا من قبل.
وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ، قَالَ:"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اللَّيْثِيَّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بْنِ لَيْثِ بْنِ عَوْفٍ فِي سَرِيَّةٍ، فَكُنْتُ فِيهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشُنُّوا الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ بِالْكَدِيدِ، وَهُمْ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْكَدِيدِ لَقِينَا الْحَارِثَ بْنَ الْبَرْصَاءِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَأَخَذْنَاهُ، فَقَالَ لَنَا: جِئْتُ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ وَإِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قُلْنَا: إِنْ تَكُنْ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُنَا يَدَكَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ تَكُنْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَسْتَوْثِقُ مِنْكَ، فَشَدَدْنَاهُ وِثَاقًا وَخَلَّفْنَا عَلَيْهِ رُوَيْجِلًا مِنَّا أَسْوَدَ، فَقُلْنَا: إِنْ عَاذَكَ بِشَيْءٍ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَسِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْكَدِيدَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَمَكَثْنَا فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي رَبِيئَةً لَهُمْ، فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ تَلًّا مُشْرِفًا عَلَى الْحَاضِرِ مَطْلَعِي عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَسْنَدْتُ فِيهِ عَلَوْتُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ اضْطَجَعْتُ عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ خِبَائِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنِّي أَرَى عَلَى هَذَا الْجَبَلِ سَوَادًا مَا رَأَيْتُهُ أَوَّلَ مِنْ يَوْمِي هَذَا، فَانْظُرِي إِلَى أَوْعِيَتِكِ أَلَّا تَكُونَ الْكِلَابُ جَرَّتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَنَظَرَتْ، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَفْقِدُ مِنْ أَوْعِيَتِي شَيْئًا، قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَنَبْلِي، فَنَاوَلَتْهُ قَوْسَهُ وَسَهْمَيْنِ مَعَهَا، فَأَرْسَلَ سَهْمًا، وَاللهِ مَا أَخْطَأَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، فَانْتَزَعْتُهُ وَثَبَتُّ، قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ سَهْمًا آخَرَ"