للعدو أنها تحت السيطرة، وأنها لا تعدو أن تكون ظاهرة صوتية آنية، قابلة لأن تخبو عند أول ممارسة ضاغطة، وهذا ما أفقد الفعل الاحتجاجي فعاليته، وحوله إلى مجرد أداة للتنفيس عن الشعب المحتقن، عوض أن يكون أداة لتحريكه في اتجاه سقف مفتوح الأفق، يمكن أن يتطور إلى انتفاضة شعبية تقلب حسابات الأنظمة الخائنة.
ويدخل في إطار حالة الارتهان كذلك تلك الدعاوى التي اجتهدت في المطالبة بفتح باب الجهاد، والتي نشطت بفعل حملة الفتاوى الرسمية القائلة بوجوب الجهاد للدفاع عن العراق، فعوض أن يتحرك الناس للجهاد ويستغلوا الوقت لترتيب الإجراءات اللازمة لذلك، استنزفوا طاقتهم في مجرد مطالبة الأنظمة بفتح باب الجهاد، وكأن مفتاح باب الجهاد في جيب الحاكم العميل.
وثمّة فريق آخر نهج نهجًا غاية في الغرابة، حيث تعاطى مع الحدث من خلال قراءة موغلة في استدعاء الأفكار الصوفية، والتي وصلت إلى حد الدعوة إلى تعطيل مبدأ الأخذ بالأسباب ومدافعة الباطل، في محاولة لتخدير الوعي بحالة الأزمة، لعل ذلك يساعد على ضبط الوضع الأمني، ويحافظ على نعمة الاستقرار في البلاد، فقد سمعنا خطيب المسجد الحرام في مكة يقول في معرض تناوله للحدث:"إن الابتلاء كالدواء النافع يسوقه إلى المريض طبيب رحيم ناصح، وحق المريض العاقل الصبر على تجرع علقمه من دون شكوى حتى لا يتحول نفعه ضررًا"، ثم دعانا إلى تحسين الظن بـ"ولي الأمر"عندما يبتلينا بقرار التواطؤ على احتلال العراق، أو بقرار الحملة الإرهابية على المجاهدين وأنصارهم والمتعاطفين معهم.
المهم، هكذا وجدنا أنفسنا في الأخير أمام ممارسات خجولة، محكومة في أكثر الأحيان بالإرث الفلسفي والشعوري لمذهب الجبرية السياسية، مما جعلها لا تحمل من الدلالات الجهادية إلاّ نسبة متواضعة جدا، لم ترتق إلى مستوى التحديات التي فرضها الغزو الصليبي، والتي كانت تستدعي مواقف متقدمة جدا بل ومطبوعة بطابع التحرر والانطلاقة البعيدة.
هل الجهاد واجب وجوبًا عينيًّا لرد الغزاة حتى ولو كان النظام الحاكم هو نظام البعث؟