فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 70

شاهد الجميع الفوضى التي عمت العراق بعد سقوط النظام، والعمليات الواسعة من السلب والنهب التي شجعتها القوات الأمريكية، والتي رمت من ورائها تحقيق الكثير من الأهداف السياسية:

-إلهاء الإنسان العراقي عن المقاومة، وإشغاله في الدفاع عن عائلته وعرضه وممتلكاته من هجمات مجرمين عراقيين لِتَتَغَيَّرَ معادلة الصديق والعدو، فيصبح الغازي الأمريكي صديقا يساعد على صد العراقي العدو.

-يتفرع عن الهدف السابق بث النعرات الطائفية والشعوبية لتفكيك أوصال المجتمع العراقي، تطبيقا للمبدأ السياسي القديم فرق تسد، وذلك حتى تنجح أمريكا ومعها بريطانيا في البقاء أطول مدة زمنية ممكنة، بينما المجتمع العراقي يغص في أوحال الفوضى والصراع. إضافة إلى أن الفوضى تتيح لأمريكا فرصة الظهور خارجيا بمظهر المحافظ على الأمن والسلام، لا بمظهر المحتل الغاشم.

-القضاء على التراث العراقي الممثل في التحف التاريخية والمخطوطات الإسلامية التي لا تقدر بثمن. وهذه الوحشية لم تهدف فقط لتحقيق غنائم حرب لسفاحي الإدارة الأمريكية، بل هي كذلك محاولة لشطب الماضي حتى يعبث الأمريكيون بمستقبل العراقيين ويشكلونه بسهولة تامة. ولعل هذا الدمار الثقافي الشامل يندرج تحت إطار قيم ما بعد الحداثة ( Postmodernism) وتفريعاتها السياسية، بعد أن مرت حقبة الاستعمار الرامية للاحتلال المادي لأراضي الآخرين (غير الغربيين) ، ثم حقبة الحداثة التي هدفت إلى الاحتلال الفكري للآخرين، إلى أن تجلت بوضوح - في احتلال العراق - التطبيقات العملية لقيم ما بعد الحداثة، والتي تهدف إلى احتلال تاريخ الآخرين وهويتهم بغية الاستحواذ الكامل على واقعهم، لتجمع هذه الفترة الخطيرة بين كل أنواع الاحتلال.

لكن يبدو أن التكتيك السياسي الأمريكي فشل في جوانب عدة، فرغم أن القوات الأمريكية كانت تريد إشعال فتيل الفوضى لينتقل بوجه الخصوص إلى الميدان الديني الطائفي، إلا أن الحاصل أن الفوضى بقيت في مجملها مركزة في الجانب الاقتصادي، حيث يقوم اللصوص بالسطو على الممتلكات. وهذا الفعل في حد ذاته يضع اللوم على القوات الغازية، ويعمق الهوة بين الصليبيين والشعب العراقي، بعدما اتضح أن الهم الأكبر للغزاة هو الاستيلاء على النفط والبنوك وقصور صدام، أما إعادة إصلاح البنى التحتية التي قصفها الطيران الصليبي، و تأمين الخدمات الصحية فَتِلْكَ آخر هموم المحتلين.

وهكذا كانت مفاجأة الغزاة الأولى أن الفوضى بقيت مركزة في الميدان الذي يدين أساسا القوات الصليبية.

أما المفاجأة الثانية هي أن الوضع السياسي العراقي يختلف عن التحليلات الاستخباراتية الأمريكية، فأمريكا كانت تأمل أن يكون قمع النظام البعثي قد طال كل أشكال التجمع السياسي، حتى إذا ما جاء الاحتلال فرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت