فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 70

ثانيًا: مسألة الاحتلال، وقفة مع المفهوم.

يشكّل التصور القاعدة الأساسية التي يتكئ عليها الإنسان في"إنتاج"السلوك، فهو الأداة الأكثر تحكما في صناعة المواقف الواعية والتصرفات المقصودة، وهذا يعني أنه كلما كان التصور صحيحا كان السلوك إلى الصواب والاستقامة أقرب، وطبعا العكس بالعكس. ومادامت قاعدة التصور تتشكل أولًا من مجموعة المفاهيم الكبرى التي يحملها الإنسان في فكره، فإن الأمر يرجع في النهاية إلى مسألة المفاهيم ومدى استقامتها أو انحرافها.

ومن المؤسف طبعا أن نقرر أن أمتنا الإسلامية قد أصابها بفعل ضربات الغزو الفكري المتواصل لمدة طويلة من الزمن خللٌ مفاهيمي كبير، لا يقل خطره عن الانحراف السلوكي الذي لم يعد هو الانحراف الوحيد في أمتنا الإسلامية اليوم، ولا هو الانحراف الأخطر في حياتها،"ولو كان الأمر مقصورا على الانحراف السلوكي وحده لكان الأمر - على سوئه - أهون بكثير مما عليه الآن. فقد تجاوز ذلك الانحراف حدود السلوك ليصل إلى الانحراف في المفاهيم" [1] .

مفهوم الإيمان، ومفهوم الكفر، ومفهوم الجهاد، ومفهوم الإرهاب، مفهوم الاحتلال، ومفهوم التحرير .. وغيرها مما هو متداول اليوم في المشهد الثقافي، والتي تطرح قضايا أساسية وحساسة تدخل بشكل أو بآخر في تكوين التصور المؤطر لقضية الصراع، كلها قد وقعت في فخ الانحراف بفعل تأثير الغزو الفكري الخفي والمعلن، الأمر الذي أدى إلى انحراف كبير على مستوى الممارسة في دائرة الصراع، وجعل أكثر جهود المسلمين تستنزف بالجري في الاتجاه الخطأ.

وعليه فإن من الواجب علينا في ظل حملة الغزو الثقافي أن نتحرى جيدا عند تعاملنا مع مسألة المفاهيم، وخاصة تلك التي لها علاقة بقضية الهوية وقضية الصراع، بحيث نعمل على تحرير دلالاتها من خلال منهج معرفي إسلامي، لتتحدد معانيها بدقة، حتى نضمن في النهاية صحة التصور ووضوح الرؤية. على أنني سأقصر هنا على إثارة بعض الجوانب المتعلقة بمفهومي الاحتلال والتحرير، آملًا أن أعود إلى غيرهما في فرص قادمة إن شاء الله.

(1) - محمد قطب. مفاهيم ينبغي أن تصحح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت