لقد بشرت الدعاية الصليبية العراقيين بجنة إعادة الإعمار، لكن سرعان ما اتضح للمغفلين أن الجنة الموعودة ما هي في الحقيقة سوى نار تلظى، فلا نية لأمريكا على الإطلاق في تطوير الاقتصاد أو على الأقل العودة بالعراق إلى مستويات ما قبل حرب الخليج الثانية، وذلك لعدة أسباب من بينها:
لقد اختارت الإدارة الأمريكية ساعة الصفر لغزو العراق بعناية فائقة، فقادة أمريكا كانوا على علم بموعد صدور الأرقام الرسمية لنتائج الاقتصاد الأمريكي الكارثية لسنة 2002، فاختاروا الوقت الأنسب حيث الرأي العام الأمريكي مشغول بمجريات الحملة العسكرية. فالنمو الاقتصادي بلغ بالكاد 2.4 %، وهي نسبة يتفق عليها جميع المحللين الاقتصاديين بأنها غير كافية، والعجز الاقتصادي من جهته زاد بنسبة 21.5 % ليبلغ 435.2 مليار دولار، أما العجز التجاري (قطاع السلع) فقد زاد ب 13.4 % ليصل إلى 484.2 مليار دولار، في حين بلغ العجز التجاري في قطاع التصنيع 373 مليار دولار ليزيد بنسبة 15.3 % عن سنة 2001، وهو تدهور فاق كل المقاييس. وحتى قطاع الخدمات الذي ينظر له في أمريكا على أنه قطاع المستقبل فإن العجز في هذا القطاع بلغ 22.6 % أو ما يعادل 49.1 مليار دولار، وهو أسوأ مستوى منذ 1991. ورغم هذه الأرقام السيئة فإن بوش تقدم بمشروع للإعفاء الضريبي عن الأغنياء، وهو مشروع نوقش أثناء غزو العراق، وسيزيد هذا الإعفاء من إثقال كاهل الخزينة الأمريكية التي ستبقى في أحسن أحوالها مكبلة بعجز ثقيل يعادل 1.4 تريليون دولار إلى حدود 2012.
يتضح أن أحوال أمريكا الاقتصادية سيئة وبالتالي لا يرجى منها أن تضحي بشيء من أموالها لصالح العراقيين، ولو إلى حين ازدياد النفط العراقي في الأسواق.
تبلغ الميزانية التي طلبتها إدارة بوش في حدود 70 مليار دولار ومن ضمنها 62 مليار دولار للأغراض العسكرية. أما إعادة الإعمار فلم يرد عنها شيء مخصص، بل وقد تكلم المحلل الاقتصادي ( Krugman Paul) أنه لا ينبغي أن يخادع أحد نفسه فيعتقد أن دافعي الضرائب الأمريكيين سيدفعون كلفة إعادة إعمار العراق. ويرى آخرون أن الكونجرس لن يتجاوز صرف مبلغ 2 مليار دولار في أحسن الأحول لهذا الغرض، وحتى إذا تم هذا فعلا فإن ذلك لن يكون سوى خطوة لتوريط دول أخرى لتشارك عنوة أو عن طيب خاطر في صناديق الإعمار الأمريكية، لا ليضخ المال في الاقتصاد العراقي ولكن لدفع فاتورة المجهود الحربي الصليبي.